غواية الدهشة
زيارة إلى عفيفى مطر شاعر مئذنة الدمع
عن المجلس الاعلى للثقافة صدر كتاب "شاعر مئذنة الدمع.. دراسات فى شعر محمد عفيفى مطر ومختارات" اعداد وتقديم الشاعر حلمى سالم والذى اشار فى مقدمته والتى جاءت تحت عنوان "شعرية الحرث والزرع" الى ان مطر تجربة عريضة عميقة، متشابكة متراكبة: من شهقة الطين المغموسة بقهر القرية المصرية، الى التفرس فى كتاب الأرض والدم.
وأكد سالم ان جيل السبعينات – الذى ينتمى اليه - عاش علاقة معقدة وطويلة مع "عفيفى مطر" اختلط فيها الامتنان بالنكران، والاعتراف بالأبوة والفضل بالتمرد على الأب، ومع ذلك فإن معظم أبناء هذا الجيل يعتبرونه احد آباء حداثتهم الشعرية.
فى حين يصفه الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى بـ "الصعلوك الرائع" على اعتبار ان الصعلكة قلق روحى حارق وايغال فى خوض التجربة وامتحان الذات واستجلاب الرؤى ومحاولة ادراك المستحيل، وبهذه المعانى وتعبيرها يرى "حجازي" فى تجربة "مطر" الشعرية تأثرا ملحوظا بتراث هؤلاء الذين تجمعهم لغة واحدة هى لغة التمرد على السائد ونراه يذكر سير هؤلاء الصعاليك فى بعض قصائده كقوله: "أصدقائى امرؤ القيس، علقمة الفحل، والنفرى الغريب المشرد بين قرى مصر والبصرة، السهروردى زوج ابنتي، وأنا طالب الثأر من قاتليه، وممن يعيدون تطويقه بالحصار والمقاصد والاسئلة".
ويؤكد "حجازي" ان شعر مطر فريد وجديد لايشبه غيره من الشعر ولاينتمى الا الى صاحبه، ومع ذلك فان هذا الشعر هو أحفل نص عربى معاصر بالنصوص العربية الاخرى كالقرآن الكريم والشعر القديم والكتابات الصوفية والفلسفية، وأشعار المعاصرين وفى مقدمتهم محمود حسن اسماعيل، والذى يرى "حجازي" أن "مطر" استفاد منه فى تيمتين رئيسيتين هما: المعجم اللغوي، والثانية افتتانه بالطبيعة المصرية وعالم الفلاحين، فهو لم ينقطع عن الاقامة فى قريته، والعمل فى ارضها بيديه، مسكونا بالمشاهد والقوافى والذكريات التى تدور حول الميلاد والموت، والغناء والخلود، والخصب والعدل والظلم، والحق والباطل، فليس غريبا ان يجد لكل ما يشغله جوابا فى الاسطورة التى ظهرت فى فجر الحضارة منذ عشرة آلاف سنة.
وتحت عنوان "عفيفى مطر فى سيرته الذاتية" يأخذنا الشاعر د. حسن طلب فى قراءة متأنية لكتاب "أوائل زيارات الدهشة" والذى سجل فيه "مطر" الجزء الاول من سيرته الذاتية بداية من مولده بقرية "رملة الأنجب" بالمنوفية، الى ان وصلت سنه الى الحادية والعشرين، فيؤكد د. طلب ان هذه السيرة الذاتية تستمد خطورتها، لا من حيث كونها مصدر ضوء يضيء لنا تجربة صاحبها الشعرية فحسب، وانما من كون أن السير الذاتية للشعراء العرب تعد نادرة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى باقى المثقفين الذين – لو كتبوا سيرهم بصدق – تتعرض للرقابة والمصادرة كما حدث مع سيرة د. لويس عوض التى نشرها قبل رحيله عام 1990 تحت عنوان "أوراق العمر" وحاول فيها ان