الروائي محمد جبريل يكتب عن الدكتور حسين علي محمد

مارس 1st, 2007 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مقالات

الروائي محمد جبريل يكتب عن الدكتور حسين علي محمد

 حين حصل حسين علي محمد ـ الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي ـ على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث، كان يختتم رحلة قاسية بدأت في قريته العصايد، القريبة من ديرب نجم، وتواصلت في عمله الأكاديمي خارج مصر، حتى حصل على درجة الأستاذية، ودرس لآلاف الطلاب، وأشرف على العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه.

لم يجعل حسين علي محمد من تلك الطريق ـ وهي فردية كما ترى ـ طريقه الوحيدة.

اختار طريقا موازية، أو متداخلة، يتصل فيها بالجماعة، من خلال أنشطة قوامها الأجيال التالية من مبدعي ديرب نجم، المدينة والقرى المحيطة.

أنشأ حسين مع أحمد فضل شبلول وسعد بيومي وصابر عبد الدايم وأحمد زلط والراحل عبد الله السيد شرف سلسلة "أصوات معاصرة" تعنى بنشر كتابات أدباء مصريين وعرب، وإن كان حريصا ـ يومها ـ على نشر كتابات الأجيال الطالعة، من مبدعي الأقاليم المصرية.

أصدرت السلسلة الكثير من الكتب المهمة، ما بين رواية ومجموعة قصصية وديوان شعر ومسرحية ودراسة نقدية وسيرة ذاتية وغيرها. أصبحت ـ في مدى قصير نسبيا ـ من أهم السلاسل على مستوى الثقافة العربية.

أضاف حسين إلى أنشطة «أصوات مُعاصرة» مؤتمرات أدبية جعلت من ديرب نجم مركزاً للإشعاع الثقافي، والتقى أدباء المدينة بمن كانوا يكتفون بقراءة أخبارهم في وسائل الصحف والإعلام من نجوم

المزيد


قراءة في مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور (2 ـ 2)

يوليو 24th, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مقالات

قراءة في مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور (2 ـ 2)

بقلم: أ.د. حسين علي محمد

وهكذا كان الحلاج البطل / الشاعر / المتمرد 00 يسعى من أجل المجموع، ويريد غدا جديدا يسعد فيه الجميع . إنه بطل مفوّه، يمتلك الكلمات المعذبة القادرة على جذب الناس إليه، وجعلهم يلتفون حوله، فيحبون كلماته ويعشقونها:
مجموعة الصوفية : كُنّا نَلْقَاهُ بِظَهْرِ السُّوقِ عِطَاشاً فُيَروِّينَا
مِنْ مَاء الكَلِماتْ
جَوْعى ، فُيُطَاعُمِنا مِنْ أَثمْارِ الحِكْمهْ
ويُنَادِمُنَا بِكئوسِ الشَّوْقِ إلى العُرْسِ النُّوراني (30)
هذا العشق لكلماته وقدرته على جذب البسطاء إليه ، جعل أصحاب العاهات يرون فيه مسيحا جديدا ، قادرا على منحهم ما يفتقدونه 0
الأحدب : نَعَمْ ، إنّي أُحِبُ الشَّيْخْ
ولكنىّ أُسِائلُ نَفِسيَ الحَيْرىَ
تُرىَ يسْطيعُ أنْ يَنصْبَ ظَهْرِى بَعْد مَا أَحْدب
الأعرج : أحِسُ إذَا سَمِعْتُ حَدِيثَهُ الطَّيَّبْ
بأنِّي قَادِرُُ أنْ أَثنيَ السَّاقَ ، وأنْ أّعدُو ، وأنْ أّلْعَبْ
بَلَى ، فَلَقَدْ أُحس بأنني طيْرٌ طليقُُ في سَمَاواتِه
الأبرص : كأنَّ الشَّمْسَ حينَ أَراهُ قَدْ سَمعتَ ضَراعاتي
وقَدْ صَبَغَتْ مذلاَّتي
وصِرْتُ أجوسُ في الطرقاتِ مُختالاً ، نَضِيرَ الوَجْهْ
ورْديَّ الذَّراعَيْنِ
بِلا سُوء ، ولا وَسْمٍ بِسيمَائِي (31)
لكن الحلاج كبطل متمرد ظل يتحرك في دوائر منعزلة عن الشعب ولم يستغل حب أفراد الشعب الفقراء له ، ليحدث ثورة بهم بل كان يريد التغيير -كما أشرنا - من خلال الصفوة ، ولهذا فإن الفقراء هم الذين يشاركون في مؤامرة محاكمته رَغَبَاً أو رَهَباً ، ويحكمون عليه بالقتل من خلال محاكمة صورية يُطْلبُ فيها من الفقراء أن يقولوا ما قالوه :
أبو عمر : (يلتفت إلى جميع الفقراء)
ما رَأْيكُمُو يا أهْلَ الإسلامْ
فيمَنْ يَتحدَّثُ أن الله تَجَلىَّ لَهْ
أو أنَّ اللهَ يَحِلُّ بِجَسَدِهْ ؟
المجموعة : كَافِرْ 00 كَافِرْ
أبو عمر : بِمَ تُجْزُونَهْ ؟
المجموعة : يُقْتَلْ 00 يُقْتَلْ
أبو عمر : والآن امْضُوا ، وامْشوا في الأسْواقْ
طوفُوا بالسَّاحَاتِ وبالحَانَاتْ
وَقِفُوا في مُنْعَطَفاتِ الطُرقاتْ
لتقولوا ما شَهِدَتْ أَعيْنكُم
قّدْ كَانَ حَدِيثَ الحلاَّج عَن الفَقْرِ قنِاعاً يُخْفي فَقْره
لكنَّ الشِّبْلي صِاحبهَ قد كَشَّفَ سِرَّهْ
فَغَضِبْتُم للَهِ وأنْفَذْتُمْ أمْرَهْ
وَحَمَلِتُمْ دَمَهُ في الأعمْاقْ
وأمَرتُمْ أنُ يُقْتلْ
وَيُصَلَّبَ في جِذْعِ الشَّجَرَةْ
الدَّولةُ لمْ تَحَكُمْ
بَلْ نَحنْ قُضَاةَ الدَّولْةِ لِمْ نَحْكُمْ
أنْتُم 0000
حُكِّمْتمُ فَحَكَمْتُمْ
فامضوا قولوا للعامَّهْ
العامَّةُْ قَدْ حَاكَمتِ الحَلاْج (32)
ولهذا شارك الجميع في قتله : من حكموا ، ومن قضوا ، ومن صمتوا ورددّوا ما قيل لهم دون أن يفطنوا إلى أنهم قتلوا من يريد لهم غدا أفضل من أمسهم ، ومن يأمل في حياة كريمة لهم ، لكن ليس يجدي هنا الأمل ، فوسائل صاحبه قاصرة ، وغير قادرة على تحقيقه ومن هنا كانت نهاية الحلاج كبطل متمرد - يحمل ظلالا رومانسية - نهاية فاجعة :
الواعظ : مَنْ هَذَا الشَّيْخْ الَمصْلُوب ؟
مقدم المجموعة : أحَدُ الفُقَرَاءْ
الواعظ : هَلْ تَعِرْفُ مَنْ قَتَلهْ ؟
المجموعة : نَحُنُ القَتَلَهْ
الواعظ : لكنكمو فُقَرَاءُُ مِثْلَهْ
المجموعة : هَذَا يَبْدو مِنْ هَيْئِتَنَا
مقدم المجموعة : انظرْ إني أَعْمىَ
أّتَسَوَّلُ في طُرقاتِ الكرْخْ
واحد من المجموعة : وأَنا قَرَّادْ
آخر : وأنَا حَدَّادْ
ثالث : وأَناَ حَجَّامْ
رابع : وأنا خَدَّامُُ في حَمَّامْ
خامس : وأَنَاَ نَجَّارْ
سادس : وأَنَا بِيطَارْ
التاجر : هَلْ فِيكُمْ جَلاَّدْ ؟
المجموعة : (يتبادلون النظر ، ثم يقولون في صوت واحد)
لا 00 لا (33)
إن مأساة الحلاج الحقيقية ليست في خلع الخرقة ، أو في المناداة المثالَّية بالإصلاح الاجتماعي، بل في كونه ثائرا طوباويا لم ينظر إلى المجتمع نظرة واقعية، ولم ير في الفقر والشرور التي تحيط بالفقراء من كل جانب دافعا لتثويرهم، بل لغضبه هو، وخلع الخرقة من أجلهم وهذا وحده لا يكفي.
وأما رأي الحلاج ، في الصفوة ، فهو ليس إلا رأي صلاح عبد الصبور في الصفوة أو النخبة التي يعرّفها في لقاء معه بقوله : " لا تنبع فكرتي عن الصفوة من مفهوم البطولة عند كارلايل ، بل من مفهوم " الأقلية المبدعة عند توينبيى 00 الأقلية المبدعة هي التي تملك الفضائل الجديدة التي تجعل منها أسوة للمجتمع ، وهى التي تستطيع أن تخلو إلى التأمل أو "العزلة الخلاقة" 00 ثم تخرج بعد ذلك إلى المجتمع لتمارس صنع الحضارة الجديدة ومثال هذه الأقلية هم الأنبياء والفلاسفة والمفكرون والمصلحون الاجتماعيون 000 فأنا هنا لا أدعو إلى صفوة النسب التي تتمثل في الإقطاعيين ومن يزعمون لأنفسهم نسبا إلى الله أو أنبيائه ، ولا أدعو إلى صفوة الثروة ، أو صفوة القوة وهم العسكريون الذين يتناوبون حكم هذا العالم مع الإقطاع والكهنة (ثلاثي الثروة والكهانة والقوة) بل لابد أن تنشأ صفوة المعرفة ، والمعرفة الحديثة هي الامتداد العملي لدعوة أفلاطون إلى الملك الفيلسوف"(34) وقد كتب هذه المسرحية ونشرها قبل نكسة 1967م حينما افتقد هذه الصفوة أو النخبة الرائدة ، يقول في حوار آخر : "في رأيي أن كل مجتمع لابد له من"نخبة" تقوده، وتزرع فيه القيم الجديدة، وتعوده بسلوكها عادات مت

المزيد


قراءة في مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور (1)

يوليو 24th, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مقالات

قراءة في مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور

بقلم: أ.د. حسين علي محمد

(1)
يمثل "الحلاج" لصلاح عبد الصبور خطوة متقدمة في الطريق إلى البطل المتمرد، حيث ينزل البطل إلى الشارع، ويحاول أن يقول رأيه ويطرح على المجتمع رؤيته، ويقدم صلاح عبد الصبور من خلاله بطلاً متمرداً «يرى الفقر والجوع والفساد في المجتمع، فيُنكر عزلة الصوفي، وينزل إلى الناس خالعاً خرقته، ليدعوهم إلى الله، ليكونوا مثله أقوياء أعزاء، وتتهمه السلطة بالزندقة، وتُلقي به في السجن، ثم تحكم عليه بالموت، فيتلقّاه راضياً، لأنه واثق بأنه سيغدو فكرة تغذي وجدان الشعب، وتحفزه إلى تحقيق دعوته»(1).
وقد اختلف الدارسون حول شخصية الحلاج اختلافا شديدا فالقاضي التنوخى يراه داعية إسماعيليا (2)، وقد كان دعاة الإسماعيلية يهدفون إلى تحطيم الدولة الإسلامية من الداخل (3)، بينما يرى ابن سريج - أحد قضاة الحلاج - فيه" حافظا للقرآن0 ماهرا في الفقه عالما بالحديث والأخبار والسنن ، صائما الدهر ، قائما الليل ، يعظ ويبكي " (4)، ويرى فيه ماسينيون "مسيحا جديدا" (5).
وقد ولد الحلاج عام 244 هـ ، لأبوين من الموالي في مدينة البيضاء إحدى مدن خراسان ، ونشأ بواسط ، ثم استقر بالعراق ، وكان أبوه يشتغل بصناعة الحلج وعمل بها هو زمنا، ومن هنا أتاه هذا اللقب(6) وتلقى العلم المعروف في عصره، وأحاط بالحديث والفقه وغيرهما من علوم الدين، ثم تزوج بعد ذلك بامرأة بصرية، وأنجب منها أولاداً، وعاش معها حياته كلها. وقد دخل عالم الصوفية عندما تلقى خرقة الصوفية في شبابه عن المتصوف المعروف عمرو المكي وذلك بعد لقاء قصير بسهل التستري أحد كبار المتصوفين. ثم اتصل بعد ذلك بالجنيد شيخ متصوفي عصره، ولقي بعد ذلك أبا الحسين النوري والفوطي وغيرهما، ثم طاف ببعض بلاد الهند ودرس عقائدها ، وحج ثلاث مرات ، ثم استقر في بغداد يبث آراءه التي أودت به إلى الهلاك (7)، حيث قال بالحلول (أي أن الله يحل في أجساد البشر) والاتحاد (أي أن النفوس البشرية تتحد بالله (8)، ومن ذلك قوله :
"أنا الحق ، ما في الجبة إلا الله" (9)
وقوله :
أَنَا مَنْ أهْوىَ ومَنْ أهْوى أنا .:. نَحْن رُوحان حَلَلنْاَ بَدَنا
فإذَا أبْصرْتَني أبْصَـــرَْتهُ .:. وإذا أبْصَرَْتهُ أبْصَرتْنَا(10)
ولقد توقف صلاح عبد الصبور طويلا أمام شخصية الحلاج، وقرأ ما كتبه القدامى والمستشرقون عن هذه الشخصية (11) وآثر أن يبعثها بعثا جديدا 0 فيقدمها في صورة الثائر الديني والمصلح الاشتراكي ، فقدم لنا بطلا " قضيته الأساسية هي محاربة الظلم، والفقر، الفقر بمعناه الروحي والمادي. ومن هنا فقد ركز على الجوانب التي تجعل منه رجلا ربانيا يكره الطغيان وينشد العدل" (12).
إن الحلاج الذي أعطاه الله نور المعرفة يعرف دوره كثائر ديني ، وأولى خطوات هذه المعرفة أن يخلع الخرقة التي تعني تجرد الصوفي من متاع الدنيا ، وينزل إلى الناس. وهو يعي أن الصوفيين الذين يرون إرضاء الله بشعارهم (الخرقة) سيرضونه أكثر بخلعها في سبيل عباده.
الحلاج : تعني هذي الخرقةْ؟
إنْ كَانَتْ قَيْداً فِي أَطْرافي
يُلقيني في بيْتي جَنْبَ الجُدْران الصَّمَّاءْ
حتى لا يَسَمْع أحْبابي كَلِمَاتي
فأنا أجفُوها، أخْلَعُها يا شَيْخْ
إنْ كانتْ شارةَ ذُلٍّ ومهانةْ
رمزاً يفضحُ أنًّ جمّعْنا فقرَ الروحِ إلى فقْرِ المالْ
فأنا أجفُوها، أخْلَعُها يا شَيْخْ
إن كانَتْ سِتْراً منسوجا من أنّيتنِا
كي يحجَبَنا عن عَيْنِ الناسِ فَنُحْجَبَ عَنْ عَيْنِ اللهْ
فأنا أجفوها ، أخلعُها يا شَيْخْ (13)
إن البطل هنا، يبدأ في أولى خطوات التمرد، حينما يرى في الاحتجاب من أعين الناس احتجابا عن عين الله وبعدا عنه، ولذا يخلع الخرقة في محبة الناس الذين يحبهم في مرضاة الله :
الحلاج : يا رَبّ اشْهَدْ
هَذَا ثَوْبُك
وشِعَارُ عُبوديّتِناَ لَكْ
وأنا أجفْوهُ ، أخَلَعُهُ في مَرْضَاتِك
يا ربّ اشْهَدْ
يا ربِّ اشْهَدْ (14)
إن الحلاج حينما يخلع الخرقة فإنما يريد أن يكون حرا ، "حتى لا تكون هذه الشارة قيدا على عقله وعلى لسانه يمنعه من التفكير في أسباب امتلاء دنيا الله بالفقر والقهر والمهانة" (15) وتعني أيضا "أنه يخلع أيَّ قيد يمنعه من التفكير الحر، والاختيار الحر لسلوكه ومواقفه، بوصفه إنسانا لابد أن يكون مسئولا طالما أعطاه الله تحفة العقل ونور المعرفة "(16).
إن الحلاج لم يستأثر بما حصله من يقين وفهم ومعرفة، ولا بالموقف الذي أوقفه الله فيه، فقد "عرف أن ما حققه من الوعي والحب لا يعنى أن يبحث كل منا عن درب خلاصه كما ينصحه صديقه الشبلي"(17)0 إنه يعرف :
لِمَ يَخَتْارُ الرَّحمْنَُ شُخُوصاً مِنْ خَلْقِهْ
ليُفرّقَ فيهمْ أّقبْاساَ منْ نُورِه
هَذَا ، ليكُونوا مِيَزانَ الكَوْنِ المُعْتَلّْ
و يفيضوا نُور اللَّهِ عَلَى فُقَراءِ القَلْبْ (18)
ولذا ، فإنه لا يبحث عن خلاصة الفردي ، وكيف يبحث عن خلاصه والكون قد امتلأ بأنواع عديدة من الشر 0 أحيانا يراه في معناه الاجتماعي :
فَقْرِ الفُقَرَاءْ
جُوعِ الجَوْعَى (19)
وأحيانا يراه في معناه الخلقي :
ليْسَ الفقرُ هو الجوعُ إلى المَأْكلِ والعُرْيُ إلى الكُسْوَهْ
الفَقْرُ هُوَ القَهْرْ
الفَقْرُ هُو اسْتِخدَام الفَقْيِر لإذْلاَلِ الرُّوحْ
الفقرُ هُو اسْتِخدَامُ الفَقْرِ لقَتْلِ الحُبِّ وزَرْعِ البَغْضَاءْ
الفَقْرُ يَقُولُ - لأهْلِ الثَّرْوة -
اكرَهْ جمَعْ الفَقُرَاءُ
فهُمُو يَتَمنَّونْ زَوَالَ النِّعْمةِ عَنْك
وَيَقُولُ لأَهْلِ الفَقْرْ
إنْ جُعْتَ فَكُلْ لَحْمَ أَخِيكْ
اللهُ يَقُولُ لَنَا :
كونُوا أحبْاَباً مَحْبوُبِينْ
والفَقْرُ يَقُولُ لَنا :
كونوا بُغَضَاءً بَغاّضِينْ
اكْرَهْ .. اكْرَهْ .. اكْرَه
هَذَا قَوْلُ الفَقْرْ (20)
إنه كبطل مسلم يعرف أن "اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفسُهِمْ"(21)، ولذلك فإنه لا يطلب

المزيد


غواية الدهشة

فبراير 24th, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مختارات, مقالات

غواية الدهشة

زيارة إلى عفيفى مطر شاعر مئذنة الدمع

الصورة المرفقة

عن المجلس الاعلى للثقافة صدر كتاب "شاعر مئذنة الدمع.. دراسات فى شعر محمد عفيفى مطر ومختارات" اعداد وتقديم الشاعر حلمى سالم والذى اشار فى مقدمته والتى جاءت تحت عنوان "شعرية الحرث والزرع" الى ان مطر تجربة عريضة عميقة، متشابكة متراكبة: من شهقة الطين المغموسة بقهر القرية المصرية، الى التفرس فى كتاب الأرض والدم.

وأكد سالم ان جيل السبعينات – الذى ينتمى اليه - عاش علاقة معقدة وطويلة مع "عفيفى مطر" اختلط فيها الامتنان بالنكران، والاعتراف بالأبوة والفضل بالتمرد على الأب، ومع ذلك فإن معظم أبناء هذا الجيل يعتبرونه احد آباء حداثتهم الشعرية.

فى حين يصفه الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى بـ "الصعلوك الرائع" على اعتبار ان الصعلكة قلق روحى حارق وايغال فى خوض التجربة وامتحان الذات واستجلاب الرؤى ومحاولة ادراك المستحيل، وبهذه المعانى وتعبيرها يرى "حجازي" فى تجربة "مطر" الشعرية تأثرا ملحوظا بتراث هؤلاء الذين تجمعهم لغة واحدة هى لغة التمرد على السائد ونراه يذكر سير هؤلاء الصعاليك فى بعض قصائده كقوله: "أصدقائى امرؤ القيس، علقمة الفحل، والنفرى الغريب المشرد بين قرى مصر والبصرة، السهروردى زوج ابنتي، وأنا طالب الثأر من قاتليه، وممن يعيدون تطويقه بالحصار والمقاصد والاسئلة".

ويؤكد "حجازي" ان شعر مطر فريد وجديد لايشبه غيره من الشعر ولاينتمى الا الى صاحبه، ومع ذلك فان هذا الشعر هو أحفل نص عربى معاصر بالنصوص العربية الاخرى كالقرآن الكريم والشعر القديم والكتابات الصوفية والفلسفية، وأشعار المعاصرين وفى مقدمتهم محمود حسن اسماعيل، والذى يرى "حجازي" أن "مطر" استفاد منه فى تيمتين رئيسيتين هما: المعجم اللغوي، والثانية افتتانه بالطبيعة المصرية وعالم الفلاحين، فهو لم ينقطع عن الاقامة فى قريته، والعمل فى ارضها بيديه، مسكونا بالمشاهد والقوافى والذكريات التى تدور حول الميلاد والموت، والغناء والخلود، والخصب والعدل والظلم، والحق والباطل، فليس غريبا ان يجد لكل ما يشغله جوابا فى الاسطورة التى ظهرت فى فجر الحضارة منذ عشرة آلاف سنة.

وتحت عنوان "عفيفى مطر فى سيرته الذاتية" يأخذنا الشاعر د. حسن طلب فى قراءة متأنية لكتاب "أوائل زيارات الدهشة" والذى سجل فيه "مطر" الجزء الاول من سيرته الذاتية بداية من مولده بقرية "رملة الأنجب" بالمنوفية، الى ان وصلت سنه الى الحادية والعشرين، فيؤكد د. طلب ان هذه السيرة الذاتية تستمد خطورتها، لا من حيث كونها مصدر ضوء يضيء لنا تجربة صاحبها الشعرية فحسب، وانما من كون أن السير الذاتية للشعراء العرب تعد نادرة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى باقى المثقفين الذين – لو كتبوا سيرهم بصدق – تتعرض للرقابة والمصادرة كما حدث مع سيرة د. لويس عوض التى نشرها قبل رحيله عام 1990 تحت عنوان "أوراق العمر" وحاول فيها ان

المزيد


مجموعة “مجنون أحلام” بين الحيز وآليات السرد

فبراير 23rd, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مختارات, مقالات

مجموعة "مجنون أحلام" بين الحيز وآليات السرد

بقلم / محمود الديدامونى
……………………………..

نحن أمام قاص متمرس ومتجدد وذو شخصية ، وأمام مجموعة قصصية دسمة ،ذلك الرسم الفني الذي لا يصدر إلا عن كاتب واع استطاع بمفردات حياتية أن يشكل عملا على قدر كبير من الاتصال لا كما يظن البعض من أن المجموعة عبارة عن مجموعة من القصص المنفصلة ، المجموعة منفصلة فى شكلها متصلة فى مضمونها وهذا ما يمكن أن نسميه بالحلقة القصصية .
فى الواقع لقد استمتعت كثيرا بهذه المجموعة (مجنون أحلام ) "1" ووجدت من الضروري الكتابة عنها والإشادة بها ومحاولة التعبير عن رؤية تجاهها . حيث وجدت خيطا رفيعا ..ربما يكون غير مقصود ، لكنه ظهر جليا عندما أمسكت بورقة وأخذت أدون ملاحظاتي .. تمثل هذا الخيط فى عدة نقاط

أولا : إشكالية الحيز.
إن القصة القصيرة لا يستقيم بناؤها إلا بتحقق طرفى الزمان والمكان ، وخاصة إذا ما كان النص واقعيا على وجه التحديد كما بين أيدينا فى مجموعة (مجنون أحلام )
كما وأن رسم الشخصيات لا يكتمل ولا تتحدد معالمها بدون إطار يضمها "2" ولست أعنى بالمكان هنا الإطار الضيق له حيث تعدى الكاتب هذا المكان , ليشغل حيزا أكبر منه وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الحيز "
حيث يتصرف استعمال الحيز إلى النتوء والوزن والثقل ، والحجم ،والشكل ..على حين المكان لا يتعد حدوده الجغرافية .ولعل ما جعلنا نؤكد على إشكالية الحيز، تأكيد الكاتب عليها أيضا حيث لا يمكن ورود الحيز منفصلا عن الوصف وحتى وإن سلمنا بوروده خاليا من هذا الوصف فإنه .. حينئذ ، يكون عاريا..
فالوصف هو الذي يمكن للحيز فى التبنك والتبووء، فيتخذ مكانة إمتيازية من بين المشكلات السردية الأخر مثل اللغة ، والشخصية ، والزمان …"3"
ولعل قصة "مجنون أحلام " يحدث فيها الامتزاج بين الوصف والمكان ( صالوننا ) طائر فى البراري . سائقه معصوب الرأس ، مفتونا بغناء جميل ، يتصاعد من إذاعة صنعاء .
فهنا نجد امتزاجا جميلا بينهما ويزداد الأمر حيوية عندما تحدث حركة أخرى داخل المكان ولكنها هنا حركة الشفتين ليتسع الحيز ..
ولعل ما دفع للتركيز على هذه المنطقة ذلك الإصرار لدى الكاتب على الإمساك به . حيث يبدو أن الحيز وليس المكان هو ما شغله فجاء فى أغلب من قصة" مجنون أحلام " في " السيارة " " صالوننا " كما جاء فضاء قصة "برق فى خريف "بالقطار ، كما أن قصة " اصطياد الوهم " جاء بالمقهى …وقصة " اللهم أخزك يا شيطان " بالحديقة ، وقصة " شرخ آخر فى المرآة " كان أمام المرآة ، وقصة " أحزان نادية " أمام بائع الجرائد ،وقصة " الحافلة التى لم أحلم بها " بالأتوبيس وقصة " رحلة أخرى " بالملهى " 4 "
• المكان عابر عند الكاتب لكنه له دلالته التى يجب الوقوف عندها ، وليس هناك من شك فى أن الكاتب ناقد مبدع فى المقام الأول ،لديه الوعى بما يكتب - كما يجب التنويه أنه ليس كل ناقد مبدعا وكذلك العكس – الكاتب هنا لم يعمد إلى حيز مباشر ، وإنما الحيز وإنما الحيز عنده يتحدد من خلال دلالا ت لغوية غير تقليدية ، غير المكان تحديدا ، كالجبل والطريق والبحار ، وإنما كألفاظ دالة "كخرج ، سافر، دخل ،أبحر ،…..الخ.
• وهو فى ذلك ينتهج بما يمكن أن نسميه "المظهر الخلفى للحيز "…كما أسماه ( جيرار جينات )…..فالحيز يولد حيزا آخر مثله أو أكبر منه "5 "
• الكاتب فى مجموعته زاوج بين الأمرين وخلق معادلة بينهما فى إطار ممتع وشيق .
ففى قصة " تلك الليلة "فلنقرأ سويا الفقرة الأولى :الزعماء يغيرون الجغرافيا ،نلاحظ أن هناك حالة شد وجذب داخل الزمان والمكان على حد سواء. (هربت من السجن , حينما عبرت النفق الذى يمتد 14 مترا تحت الأسوار ..تخيلت صديقي الناصري صبري عبده , حينما يصحو ويكتشف هروبى , فيصرخ فى أقرب جار له فى السجن :
سيجيئون به من تحت الأرض ..ويعذبونه
أتخيله يلحق بى ويصرخ : لماذا هربت من السجن ؟
ويحاول أن يشدنى ليرجعنى إلى السجن ..
لكنى على كل حال تركت الأسوار ورائى .. فلماذا أشغل نفسى به ؟ )
وهكذا يرسم الكاتب - من خلال المشهد السابق – الحيز النفسى والمكانى للشخصية , فى حالة من السرد الممتع .
ومن الجدير بالذكر الإشارة والإشادة أيضا بتأثر الحيز الذى عناه الكاتب بالزمان وحالة الحنين العاطفى المتعلق بالشخصية البطلة لدى الكاتب . كما فى قصص "شرخ آخر فى المرآة ، اللهم أخزك يا شيطان "
ففى القصة الأولى تلك التجاعيد <مكان > بفعل < الزمان > على وجه <الشخصية > كان لذلك مخرجاته <النفسية > .
وفى القصة الثانية : الحديقة كفضاء < مكانى > مغر والغربة كفضاء < زمانى > أثر بالطبع على الشخصية ب< الحرمان > .
والقصص مليئة بهذه القدرة الفائقة على مزج الأدوات بعضها مع بعض فيمكن أن نخرج من سطر واحد جماليات مكانية وزمنية ولغوية مؤثرة فى رسم الشخصية وفى إدارة حركة القصة عند القاص.
وهناك قصتان تدللان بقوة على تجريد الحيز عند الكاتب حيث ينتقل البطل من الحيز المكانى الضيق إلى الحيز الأشمل والأوسع . وهما "رحلة أخرى " و " ومضة الرحيل " .
ففى الأولى .. تنتقل صابرين من الملهى ،وتمسخ أصباغها بالمنشفة كأن الكاتب يريد أن ينهى علاقتها بكل ما يتعلق بالمكان من زيف .. ثم تغسل وجهها .. لتبدأ رحلة التطهر …
(كانت مشغولة عنهم بما تراه رأى العين ،فاختها عبلة تفتح أحضانها الطاهرة لاستقبالها ، ووجه أبيها المبتسم يملأ المكان ..والجنة ..الجنة الحقيقية تناديها ) . "6 "
وهنا تتضح الرؤية بالمقارنة بين الجنتين <أحداهما مزيفة لكنها بالطبع ليست الأخيرة .
أما فى ومضة الرحيل يقول : (أشار الراعى بذراعه ،فانطلق الأطفال .. الذين لم يخطئوا أبدا .يقذفونهما بقطع الحجارة الصغيرة ،كان المشهد بعد صلاة المغرب ، ولكن الأفق لم يظلم – جملة اعتراضية هنا ، ما أروع الكاتب هنا " لكن الأفق لم يظلم " كانا يريان شموسا صغيرة تجتهد أن تضيء ..وكان زورق هند وفريد الهادر بالخطيئة .. بعد قلق ثلاثة أشهر وعواصف 14 يوما وضياع 9 ساعات وجحيم 45 دقيقة … يرسو أخيرا بعد حكم القاضى .. على شطآن السكينة .. والإيمان .

المزيد


التواصل الثقافي العربي: د. حسين علي محمد

فبراير 21st, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مختارات, مقالات

الثفافة العربية متواشجة من بدء التاريخ العربي، وازدادت الحميمية بالمطبعة والإذاعة والإنترنت، والكتاب الذي يظهر في القاهرة تجده في اليوم التالي في مسقط وتونس والرياض، والديوان ـ أو الرواية ـ الذي يظهر في بيروت تجده في اليوم التالي في أيدي مريديه في الوطن العربي من الماء إلى الماء (أي في الدول العربية جميعاً)، ولقد قرّبت الثقافة الإليكترونية الحدود وألغت الحواجز والرقابة، فقد تمنع إحدى البلاد العربية قصيدة أو رواية أو كتاباً، لكنك في نفس اليوم تستطيع قراءة هذه المادة، وقد حدث ذلك مع بعض المواد الأدبية أذكر على سبيل المثال لا الحصر أن قصيدة نزار قباني (متى يُعلنون وفاة العرب) حينما نشرت في صحيفة "الحي
المزيد


القراءة الإلكترونية والإبداع

فبراير 21st, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مقالات

م كتبة مبارك العامة بالمنصورة.. تنظم مؤتمراً للقراءة الالكترونية وتأثيرها في الإبداع. بداية من صباح الثلاثاء 24 فبراير الحالي. اختارت اللجنة المنظمة المفكر الكبير د.عاطف العراقي رئيساً للمؤتمر. ويشارك بمداخلات: د.إبراهيم ياسين رئيس قسم الفلسفة بجامعة المنصورة والباحثون أحم
المزيد


السينما الصامتة تُحيي الخيال مقالة مجهولة للأستاذ الكبير: عباس محمود العقاد

فبراير 15th, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , غير مصنف, قصص شعرية للأطفال, مختارات, مقالات

السينما الصامتة تُحيي الخيال للأستاذ الكبير: عباس محمود العقاد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

تُحب الفنون المُزاملة فيما بينها، ولكنها في الوقت نفسه تحب الانفراد، أو هي على الأقل تحب نوعاً من الانفراد.
فالشعر والموسيقى يتزاملان في الغناء، وقد تتزامل في التمثيل خمسة أو ستة فنون، ومنها الشعر والقصة والموسيقى والرقص والتصوير.
والسينما في هذه الخصلة كالتمثيل، أو هي أوسع قدرة على الجمع بين الفنون المختلفة من خشبة المسرح، لأن الظلال تملك من الحرية ما لا يملكه الأحياء.
ولا شك أن السينما الناطقة أقدر على الجمع بين الفنون من السينما الصامتة التي كنا نشاهدها قبل نيف وعشرين سنة، أو قبل سنة 1927م على وجه التحديد.
ولكن من الخطأ أن نظن أن السينما كانت « فاقدة النطق » قبل تلك السنة، فإنها في الحقيقة لم تفقد النطق في وقت من الأوقات، ولم تفقده حتى في أواخر القرن التاسع عشر حين خرجت من الظلمات إلى النور للمرة الأولى.
لأنها كانت تُعرض دائماً ومعها توقيع موسيقي من فرقة كاملة، أو من معزف منفرد كالبيان والقيثار. وكان عارضو الصور المتحركة يُصاحبون عرضها بأصوات تُحاكي أصوات الموج أو الريح أو البواخر وقاطرات السكك الحديدية، كلما عُرضت هذه المناظر على اللوحة البيضاء.
وكاتب هذه السطور من أوائل من شهدوا الصور المتحركة على هذه الكرة الأرضية، وإن كنتُ لا أكثر التردد على دورها في هذه الأيام.
فقد كانت فنادق أسوان أحفل فنادق العالم في موسم الشتاء. وكان روادها من علية القوم في البلاد الأوربية والأمريكية، فلم تمض فترة قصيرة على عرض الأفلام الأولى في القارة الأمريكية حتى عُرضت على السائحين في أسوان. وأرسلت الدعوة إلى المدرسة الأميرية من قبيل المجاملة ليختار ناظرها طائفة من التلاميذ يشهدون تلك البدعة العجيبة، فكنت من بين هؤلاء التلاميذ المختارين، وسئلتُ أن أُلخِّص ما رأيت، وأن أصف الحفلة كلها في موضوع إنشاء.
رأيتُ الصور المتحركة يومئذ، وسمعتُ أصواتاً كأصوات الأمواج والرياح من وراء الستار، فخُيِّل إليَّ أن الآلة التي تُحرك الصور وتُحدث تلك الأصوات واحدة، ولكنه كان تخيلاً سبق الاختراع الواقعي بأكثر من عشرين سنة!
أما الموسيقى في تلك الحفلة فقد كانت ظاهرة لنا بآلاتها وأشخاص العازفين عليها، قلم نُخدع فيها كما خُدعْنا في أصوات الأمواج والرياح!
ولاحظت شركات الأفلام أن الفرق الموسيقية في دور العرض كثيراً ما تُصاحبها بنغمات لا تُناسبها، فيتفق أحياناً أن تكون القصة مأساة فاجعة، وتعزف الفرقة معها لحناً راقصاً أو لحناً يبعث في السامع شعور المرح والابتهاج!، فعالجت هذا الخطأ بكتابة وصف قصير لموضوع الفيلم يوزع على الموسيقيين قبل عرضه، وكثيراً ما كان هذا الوصف موجزاً غاية الإيجاز، لا يزيد في بعض الأحيان على كلمة واحدة، وهي كلمة «حزين» أو «فَرِحُ» أو «راقص» أو «هادئُ» أو «عنيف» .. ، ثم يترك لمدير الفرقة أن يختار لحناً مُناسباً لهذا الوصف الموجز كائناً ما كان.
ولا تظن أن فيلماً من الأفلام وُضعت له ألحان موسيقية خاصة قبل الفيلم الذي مثلت فيه رواية «مصرع الدوق دي جيز»، وعُرِض في باريس عام 1908م، وكانت موسيقاه من تأليف

المزيد


«حارة اليهود» .. وأدب المقاومة

يناير 16th, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مختارات, مقالات

«حارة اليهود» .. وأدب المقاومة

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
أصدرت الثقافة الجماهيرية في مطبوعاتها (العدد 38) ـ سبتمبر 1999م- ، مجموعة مختارة من قصص “محمد جبريل” القصيرة تحمل عنوان “حارة اليهود”، تضم قصصاً مُختارة، مما نشره المؤلف على امتداد الخمس عشرة سنة الأخيرة في الصحف و”الدوريات الأدبية، كـ “الأهرام”، و”إبداع”، و”الهلال”، و”أكتوبر”، و”القصة” … وغيرها، وهذه القصص معظمها منشور في المجموعات القصصية التي أصدرها من قبل.
ومحمد جبريل (المولود في الإسكنـدرية عام 1938م) واحد من أبرز الروائيين وكتاب القصة القصيرة المصريين في الجيل التالي لنجيب محفوظ، وهو قد نشر نتاجه في القصة القصيرة في معظم الصحف والمجلات الأدبية المصرية والعربية؛ فقد نشر قصصه في “المساء” و”القصة” و”الهلال” و”أكتوبر” و”الأهرام” (في مصر)، و”العربي (في الكويت)، و”الفيصل” و”الأدب الإسلامي” (في السعودية)، و”المنتدى” (في الإمارات)، و”الحياة” (في لندن)… وغيرها. وقد أصدر ست مجموعات قصصية، هي: تلك اللحظة من حياة العالم (1970م)، وانعكاسات الأيام العصيبة (1981م) و:هـل؟ (1987م)، وحكايـات وهوامـش مــن حيـاة المبتلى (1986م)، وسـوق العيـد (1997)، وانفراجة الباب (1997م).
ومحمد جبريل أحد الأدباء الذين تشغلهم مصر وقضاياها وهمومها، يقول في حوار معه حول الالتزام والإحكام الفني: “أنا لا أستطيع أن أتخيَّل أن هناك كاتباً غير ملتزم أساساً، فالدافع الأول المؤدِّي إلى الكتابة يتمثَّل أساساً في الدفاع عن قيمة إنسانية ما، وتوصيل وجهة نظره، وتحديد موقف مُعيَّن من الحياة”.
وهذا الموقف يجعل الأديب من أصحاب الرؤى التي تطمح لتغيير ما هو واقع وتُجاوزه، مع اتصالها بالواقع وتحرِّي الصدق ـ الفني ـ في تصويره.
يقول (وهو يتحدّث عن إشكال الإحكام الفني وضرورة الالتزام): “في اعتقادي أن الصدق الفني لا يمكن أن ينفصل أبداً عن الصدق الإنساني، فليس من المعقول أن تُحب أو تتعاطف مع عمل له شكله الدرامي المحكم والجميل، بينما ينطوي هذا العمل على مضمون فاسد، ويُطفئ شعلة الأمل والحياة في نفس الإنسان”.
ويرى أن الكاتب ابن بيئته، فيجب عليه أن يُعبِّر عن همومها حتى يستجيب المتلقي لما يطرحه الكاتب في أدبه من هموم: “هل أتوهّم مشاكل غير موجودة وناساً لا أعرفهم، وكائنات وهمية وأمكنة خرافية، وأنا ابن مصر، مهمة فني أن يحتويها بكل مكوناتها وأن يُعانقها بكل محتوياتها؟ إن من الطبعي والحتمي والمنطقي أن تكون أعمالي مصرية في لحمتها وسداها، وإن لم تكن هكذا فهي ليست بأدب على الإطلاق. الكاتب المصري لا بد أن يكون مصرياً وإلا فقد هويته، بل ويجب أيضاً أن يكون عصرياً؛ بمعنى أن الكاتب الذي يفقد حس عصره لا يمكنه أن يُعبِّر عن أي عصر آخر، والمهم أن يصل هذا الإحساس بالوطن والعصر إلى القارئ حتى يتمثّل التجربة النفسية والخيالية التي مرّ بها الكاتب، ومن هنا تأتي المشاركة بين المُعطي والمتلقي”.
ولأن مصر الغالية ـ ومن ورائها العالم العربي ـ في مواجهة شرسة مع الصهاينة المحتلين من أبناء يهود، فإنَّ وعي القاص بهذا الصِّراع الشرس الذي يُواجهنا انعكس على كثيرٍ من قصصه، وقد جَمعَ بعضَها في هذه المجموعة، ليُنبِّه، ويُنذِر، ويُدلي بشهادته ـ الفنية ـ في هذا الصراع، وسنتوقف أمام الرمز الإيحائي في ثلاثة قصص من قصص هذه المجموعة.
معروف أن الرمز وسيلة إيحائية من أبرز الوسائل الفنية التي يستخدمها الأدباء المتمكنون من فنهم، وفي قصص محمد جبريل في هذه المجموعة نراه يستخدم الرمز الإيحائي، وهو أن يوحي لك بما يريد أن يقوله، وهذا هو الرمز البسيط الذي يُوظِّفه في قصص هذه المجموعة.
في قصة “العودة”: نجد البطل المصري المنتمي، المتمرد على الغربة المكانية، والذي يريد أن يعود إلى مصر بعد تسع سنوات من الغربة، ورغم أنه يعيش في دولة عربية هي سلطنة عمان، فقد كان دائم الحنين لمصر:
“لو أنه روى عن الباعث الحقيقي! .. كان يحجز تذكرة العودة في اليوم التالي لوصوله إلى مسقط. أتعس اللحظات حين يُغادر التاكسي في مطار القاهرة ويخطو إلى باب الدخول، أسعد اللحظات حين يُعلن المضيف عن التحليق في الأجواء المصرية. أدهشته الدمعة التي ذرفها بالرغم عنه لما أطلّ على الناس وهو يُنهي أوراقه ـ من نافذة مرتفعة في مجمع التحرير. كان يحرص على قراءة الصحف. يُناقش القضايا البعيدة كأنه يحياها، يسأل ويناقش ويقترح ويرفض. يصلي الجمعة في مسجد أبي بكر الصديق الذي يرتاده المصريون. يزور ويُزار ويودع في مطار “السيب” يستوقفه اختلاف اللهجة والتصرفات والتكوين الجسدي، كان يُراهن على الطيف القادم في الظلام. يُهلل للشوارع والميادين والشواطئ والأبنية، إذا طالعته في التليفزيون: المراكب الصغيرة في شواطئ الأنفوشي .. زحام شارع الغورية ….  بورسعيد تخلو من البمبوطية فهؤلاء إذاً من السويس .. إنها مستودعات البترول في مدخل الزقازيق .. حل الصيف، فجمهور استاد القاهرة يرتدي القمصان”.
لقد عاد البطل من الخارج ليواجه مجتمعاً امتدّت رذائله السياسية والاجتماعية، واتسعت، وليُعرِّي خطايا هذا المجتمع، ويُحاكمه أمام نفسه، وتبدأ المواجهة عند وصوله إلى مطار القاهرة:
“بدا مُغايراً للمرّات السابقة، مجموعة من السائحين الإسرائيليين ينتظرون حقائبهم. تأمل اسم ورقم الرحلة (576 تل أبيب) تل أبيب؟ .. شمل المجموعة بنظرة جانبية. بدوا سعداء، يتضاحكون، وإن علت في أحاديثهم تلك المفردات التي عجز عن فهمها”.
ويكشف المقطع السابق عن نفسية السارد المستفهمة المتعجبة، التي نتعرَّف ـ من خلال رؤية السارد ـ على أولى خطوات الوعي بالمقاومة التي فُرضت على البطل بعد العودة، فهذا هو العدوُّ الصهيوني يتسلّل إلى داخل الحدود، ويتحدّث لغةً غير مفهومة!
وتنتهي القصة بالعودة إلى أحضان الأم:
“صعد السلالم عدواً، أطال الوقوف لحظات أمام باب الشقة، هل تفاجئه أمُّه بهذه اللهجة؟ فكيف يُواجه الأمر؟ ماذا سيكون عليه تصرُّفه؟
قاوم التردد، وضغط الجرس، لم يرفع إصبعه حتى انفتح الباب، بدت أمُّه شعثاء الشعر، تف

المزيد


الآخر في الرواية الإسلامية

يناير 14th, 2009 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , مختارات, مقالات

الآخر في الرواية الإسلامية

بقلم: أ. د. حسين علي محمد

(1)

يعد الاحتكاك بالآخر غير العربي ـ المخالف في العقيدة أو الثقافة واللغة ـ صورة من صور اكتشاف الذات وتأكيد هويتها، وفي هذه الدراسة عن «الآخر في الرواية الإسلامية» نحاول أن نتناول صورة الآخر (غير العربي) في الأدب العربي المعاصر من خلال هذه الرواية الإسلامية.

وسنجد الروائي في هذه الروايات لا يعزف على نغمة التعارض القائم بين الذات غير العربية، المخالفة لنا في العقيدة أو الثقافة أو اللغة، والهوية العربية المسلمة. بل تقدم لنا الرواية الإسلامية رؤية إسلامية ليست مضادة لغير العربي، بل هي متحاورة مع الآخر، وفاهمةً شروط ثقافته، وتُحاول أن تؤثر فيه وتُحدث فيه التغيير.

إنها ترى أن الآخر ليس شرا على إطلاقه، بل ينبغي محاورة الإنسان فيه حتى يمكن التأثير فيه ثقافيا، والاستفادة من إيجابياته.

(2)

لا شك أن في الآخر جوانب إيجابية، كان الروائي الإسلامي يستعرضها، لينبه الأذهان إليها، ومن هذه الأشياء الصدق في المعاملة فيما بينهم، لا أن يكون ذا وجهين يُظهر وجهاً، ويُسرُّ الآخر، ومن ثم نرى عندهم الوضوح والمباشرة التي قد نفتقدها في التعامل فيما بيننا، ونرى هذا المعنى في رواية «عودة إلى الأيام الأولى» لإبراهيم الخضير حيث يشير إلى هذا الاتجاه العام الذي يصبغ السلوك الشخصي؛ فالرائد «كوك فيشر» (وهي امرأة) تناقش الدكتور منصور في قضايا شخصية لها مساس بتحليل شخصيته، وكذلك ببعض القضايا الاجتماعية مما أغضب منصوراً وأصابه بشيء من الحدّة؛ فسارعت بإبـداء أسفها واعتذارها على ما بـدر منـها،  قائلة: «كما تعلم فنحن الأمريكان نحب مناقشة جميع الأمور بصراحة»(1)

وعدم إضاعة الوقت عندهم يكشف عن إرادةٍ لقومٍ يريدون أن يتقدموا في الحياة، وإن انتقدنا نحن هذه السرعة ووصفنا الحضارة الحديثة بأنها حضارة بلا قلب. يقول السارد في رواية «دفء الليالي الشاتية» للدكتور عبد الله العريني: «كانت سيارة الأجرة تجوب شوارع المدينة الأمريكية بسرعة، وبدا أن الثلاثة في سباق مع كل شيء، كل المارة يجرون مسرعين.. ليست هناك لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس.. خيّل إلى «أمل» أن كل شيء يسير بسرعة شديدة.. لطالما سمعت عن المدن الصناعية وما فيها من ضوضاء وصخب، وهاهي ذي الآن في واحدة من أكبر تلك المدن.. نيويورك مدينة العمل والتجارة.. ذات القلب الصلد القاسي.. مدينة الآلة الكبيرة التي تطحن كل شيء في دورانها.. إنها كغيرها لا تعرف شيئاً اسمه العواطف، والمشاعر الإنسانية، ولا تدين إلا للقوة»(2)

والذي نراه نحن عدم اهتمام بالعاطفة الإنسانية يرونه هم في سلوكهم شيئاً من الجدية، وأنهم : «لا يريدون أن يضيعوا وقتاً»(3)

لكن لا ينسى المسلم أن يعبر عن موقفه هو من هذه السرعة المجنونة، ومن ثم نرى مشاعر «أمل» (في رواية « دفء الليالي الشاتية » للعريني) تجاه إنسان مدينة نيويورك حين رأته للوهلة الأولى، إنها تشفق على إنسان هذه المدن الصلدة التي بلا قلب: «بدا لها أن الإنسان قد تحوّل إلى آلة خرساء رغم أنفه.. إنه يجري ويجري ويلهث حتى تتقطع أنفاسه دون أن يشعر بذاتيّته وسر وجوده في هذه الدنيا، وهو في غفلة عن شيء خطير اسمه الآخرة»(4)

إلا أن هذه السرعة التي يشكو منها السارد قد يصيب من ورائها الخير إذا كانت له علاقة بدولاب العمل في هذه البلاد؛ فالرواية نفسها تمتدح إجراءات سير العمل في المطارات، فقد « سارت الإجراءات سريعاً بمرونة مدهشة »(5) ولم يجد فيها البطء الذي يجده في المطارات العربية.

(3)

تنتقد الرواية الإسلامية الجوّ المادي عند الآخر، كما تنتقد اهتمام الفرد وانشغاله بذاته، وعدم اهتمامه بالتفكير في الآخرين، لكنها في المقابل أثنت على قيمة النظام. يقول منصور في رواية «عودة إلى الأيام الأولى»: 

 «الأمريكان شغلهم مرتب.. وكل شيء عندهم  وراءه علم  وخبر»(6)

ويتحدث  منصور عن  شخصية أمريكية مثنياً على قدرتهم على الإنجاز، لأنهم يخططون:

«حينما وصل كان معه طاقم للإدارة يبلغ أربعمائة شخص.. كلّ شيء كان من الدقة، وفي الموضع المخصص له »(7)، ويثني على الآخر الذي صنع تقدماً ملحوظاً لاتخاذهم القرارات المناسبة في وقتها: « قراراتهم سريعة لكنها دقيقة»( 8)، وهم لا يتركون شيئاً للظروف(9).

ويثني السار

المزيد


التالي