الآخر في الرواية الإسلامية
(1)
يعد الاحتكاك بالآخر غير العربي ـ المخالف في العقيدة أو الثقافة واللغة ـ صورة من صور اكتشاف الذات وتأكيد هويتها، وفي هذه الدراسة عن «الآخر في الرواية الإسلامية» نحاول أن نتناول صورة الآخر (غير العربي) في الأدب العربي المعاصر من خلال هذه الرواية الإسلامية.
وسنجد الروائي في هذه الروايات لا يعزف على نغمة التعارض القائم بين الذات غير العربية، المخالفة لنا في العقيدة أو الثقافة أو اللغة، والهوية العربية المسلمة. بل تقدم لنا الرواية الإسلامية رؤية إسلامية ليست مضادة لغير العربي، بل هي متحاورة مع الآخر، وفاهمةً شروط ثقافته، وتُحاول أن تؤثر فيه وتُحدث فيه التغيير.
إنها ترى أن الآخر ليس شرا على إطلاقه، بل ينبغي محاورة الإنسان فيه حتى يمكن التأثير فيه ثقافيا، والاستفادة من إيجابياته.
(2)
لا شك أن في الآخر جوانب إيجابية، كان الروائي الإسلامي يستعرضها، لينبه الأذهان إليها، ومن هذه الأشياء الصدق في المعاملة فيما بينهم، لا أن يكون ذا وجهين يُظهر وجهاً، ويُسرُّ الآخر، ومن ثم نرى عندهم الوضوح والمباشرة التي قد نفتقدها في التعامل فيما بيننا، ونرى هذا المعنى في رواية «عودة إلى الأيام الأولى» لإبراهيم الخضير حيث يشير إلى هذا الاتجاه العام الذي يصبغ السلوك الشخصي؛ فالرائد «كوك فيشر» (وهي امرأة) تناقش الدكتور منصور في قضايا شخصية لها مساس بتحليل شخصيته، وكذلك ببعض القضايا الاجتماعية مما أغضب منصوراً وأصابه بشيء من الحدّة؛ فسارعت بإبـداء أسفها واعتذارها على ما بـدر منـها، قائلة: «كما تعلم فنحن الأمريكان نحب مناقشة جميع الأمور بصراحة»(1)
وعدم إضاعة الوقت عندهم يكشف عن إرادةٍ لقومٍ يريدون أن يتقدموا في الحياة، وإن انتقدنا نحن هذه السرعة ووصفنا الحضارة الحديثة بأنها حضارة بلا قلب. يقول السارد في رواية «دفء الليالي الشاتية» للدكتور عبد الله العريني: «كانت سيارة الأجرة تجوب شوارع المدينة الأمريكية بسرعة، وبدا أن الثلاثة في سباق مع كل شيء، كل المارة يجرون مسرعين.. ليست هناك لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس.. خيّل إلى «أمل» أن كل شيء يسير بسرعة شديدة.. لطالما سمعت عن المدن الصناعية وما فيها من ضوضاء وصخب، وهاهي ذي الآن في واحدة من أكبر تلك المدن.. نيويورك مدينة العمل والتجارة.. ذات القلب الصلد القاسي.. مدينة الآلة الكبيرة التي تطحن كل شيء في دورانها.. إنها كغيرها لا تعرف شيئاً اسمه العواطف، والمشاعر الإنسانية، ولا تدين إلا للقوة»(2)
والذي نراه نحن عدم اهتمام بالعاطفة الإنسانية يرونه هم في سلوكهم شيئاً من الجدية، وأنهم : «لا يريدون أن يضيعوا وقتاً»(3)
لكن لا ينسى المسلم أن يعبر عن موقفه هو من هذه السرعة المجنونة، ومن ثم نرى مشاعر «أمل» (في رواية « دفء الليالي الشاتية » للعريني) تجاه إنسان مدينة نيويورك حين رأته للوهلة الأولى، إنها تشفق على إنسان هذه المدن الصلدة التي بلا قلب: «بدا لها أن الإنسان قد تحوّل إلى آلة خرساء رغم أنفه.. إنه يجري ويجري ويلهث حتى تتقطع أنفاسه دون أن يشعر بذاتيّته وسر وجوده في هذه الدنيا، وهو في غفلة عن شيء خطير اسمه الآخرة»(4)
إلا أن هذه السرعة التي يشكو منها السارد قد يصيب من ورائها الخير إذا كانت له علاقة بدولاب العمل في هذه البلاد؛ فالرواية نفسها تمتدح إجراءات سير العمل في المطارات، فقد « سارت الإجراءات سريعاً بمرونة مدهشة »(5) ولم يجد فيها البطء الذي يجده في المطارات العربية.
(3)
تنتقد الرواية الإسلامية الجوّ المادي عند الآخر، كما تنتقد اهتمام الفرد وانشغاله بذاته، وعدم اهتمامه بالتفكير في الآخرين، لكنها في المقابل أثنت على قيمة النظام. يقول منصور في رواية «عودة إلى الأيام الأولى»:
«الأمريكان شغلهم مرتب.. وكل شيء عندهم وراءه علم وخبر»(6)
ويتحدث منصور عن شخصية أمريكية مثنياً على قدرتهم على الإنجاز، لأنهم يخططون:
«حينما وصل كان معه طاقم للإدارة يبلغ أربعمائة شخص.. كلّ شيء كان من الدقة، وفي الموضع المخصص له »(7)، ويثني على الآخر الذي صنع تقدماً ملحوظاً لاتخاذهم القرارات المناسبة في وقتها: « قراراتهم سريعة لكنها دقيقة»( 8)، وهم لا يتركون شيئاً للظروف(9).
ويثني السار
المزيد