ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
تُحب الفنون المُزاملة فيما بينها، ولكنها في الوقت نفسه تحب الانفراد، أو هي على الأقل تحب نوعاً من الانفراد.
فالشعر والموسيقى يتزاملان في الغناء، وقد تتزامل في التمثيل خمسة أو ستة فنون، ومنها الشعر والقصة والموسيقى والرقص والتصوير.
والسينما في هذه الخصلة كالتمثيل، أو هي أوسع قدرة على الجمع بين الفنون المختلفة من خشبة المسرح، لأن الظلال تملك من الحرية ما لا يملكه الأحياء.
ولا شك أن السينما الناطقة أقدر على الجمع بين الفنون من السينما الصامتة التي كنا نشاهدها قبل نيف وعشرين سنة، أو قبل سنة 1927م على وجه التحديد.
ولكن من الخطأ أن نظن أن السينما كانت « فاقدة النطق » قبل تلك السنة، فإنها في الحقيقة لم تفقد النطق في وقت من الأوقات، ولم تفقده حتى في أواخر القرن التاسع عشر حين خرجت من الظلمات إلى النور للمرة الأولى.
لأنها كانت تُعرض دائماً ومعها توقيع موسيقي من فرقة كاملة، أو من معزف منفرد كالبيان والقيثار. وكان عارضو الصور المتحركة يُصاحبون عرضها بأصوات تُحاكي أصوات الموج أو الريح أو البواخر وقاطرات السكك الحديدية، كلما عُرضت هذه المناظر على اللوحة البيضاء.
وكاتب هذه السطور من أوائل من شهدوا الصور المتحركة على هذه الكرة الأرضية، وإن كنتُ لا أكثر التردد على دورها في هذه الأيام.
فقد كانت فنادق أسوان أحفل فنادق العالم في موسم الشتاء. وكان روادها من علية القوم في البلاد الأوربية والأمريكية، فلم تمض فترة قصيرة على عرض الأفلام الأولى في القارة الأمريكية حتى عُرضت على السائحين في أسوان. وأرسلت الدعوة إلى المدرسة الأميرية من قبيل المجاملة ليختار ناظرها طائفة من التلاميذ يشهدون تلك البدعة العجيبة، فكنت من بين هؤلاء التلاميذ المختارين، وسئلتُ أن أُلخِّص ما رأيت، وأن أصف الحفلة كلها في موضوع إنشاء.
رأيتُ الصور المتحركة يومئذ، وسمعتُ أصواتاً كأصوات الأمواج والرياح من وراء الستار، فخُيِّل إليَّ أن الآلة التي تُحرك الصور وتُحدث تلك الأصوات واحدة، ولكنه كان تخيلاً سبق الاختراع الواقعي بأكثر من عشرين سنة!
أما الموسيقى في تلك الحفلة فقد كانت ظاهرة لنا بآلاتها وأشخاص العازفين عليها، قلم نُخدع فيها كما خُدعْنا في أصوات الأمواج والرياح!
ولاحظت شركات الأفلام أن الفرق الموسيقية في دور العرض كثيراً ما تُصاحبها بنغمات لا تُناسبها، فيتفق أحياناً أن تكون القصة مأساة فاجعة، وتعزف الفرقة معها لحناً راقصاً أو لحناً يبعث في السامع شعور المرح والابتهاج!، فعالجت هذا الخطأ بكتابة وصف قصير لموضوع الفيلم يوزع على الموسيقيين قبل عرضه، وكثيراً ما كان هذا الوصف موجزاً غاية الإيجاز، لا يزيد في بعض الأحيان على كلمة واحدة، وهي كلمة «حزين» أو «فَرِحُ» أو «راقص» أو «هادئُ» أو «عنيف» .. ، ثم يترك لمدير الفرقة أن يختار لحناً مُناسباً لهذا الوصف الموجز كائناً ما كان.
ولا تظن أن فيلماً من الأفلام وُضعت له ألحان موسيقية خاصة قبل الفيلم الذي مثلت فيه رواية «مصرع الدوق دي جيز»، وعُرِض في باريس عام 1908م، وكانت موسيقاه من تأليف













