قراءة في رواية « ثمن التضحية » لحامد دمنهوري
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
***
تدور أحداث رواية «ثمن التضحية» (1959م) لحامد دمنهوري حول شخصية أحمد، وهو شاب مكي يقيم بجوار الحرم، ومن أوائل من التحقوا بالمدارس في العهد السعودي، وهو يتطلع إلى مستقبل كبير يحلم به، ومن ثم يصمم على الالتحاق بالجامعة في مصر، مع أن الكثيرين غيره اكتفوْا بالدراسة حتى نهاية المرحلة الثانوية، وتوظفوا، وتزوّجوا، وكونوا أسراً.
وقد ألزمه والده بعقد قرانه على ابنة عمه عبد الرحيم (فاطمة)، ولكن البطل بعد سفره إلى مصر يلتقي (فائزة) التي تعرّف عليها في منزلها عندما كان في زيارة لشقيقها مصطفى، وقد أعجب بثقافتها ووعيها الفني كرسامة تشكيلية.
ويدور صراع في نفس البطل بين حب (فائزة) والارتباط الذي بينه وبين ابنة عمه (فاطمة)، وينتصر ارتباطه بفاطمة على حبه لفائزة، ويُضحى بهذا الحب الجديد، ويكون ثمن هذه التضحية ارتباطه بابنة عمه فاطمة.
جمالية المكان:
يرسم الكاتب المكان عالماً أثيراً في روايته، ومنه هذا المكان الذي يمشي فيه عبد الرحمن وسالم من الحرم إلى محليهما:
«كانا في ذلك الوقت قد شارفا نهاية طريقهما في شارع المسعى وبدا على يسارهما الخان ـ مبدأ سويقة ـ ذو الحوانيت المتلاصقة المواجه بعضها بعضاً، لا يفصل الحانوت عن مقابله سوى متريْن، يمثلان عرض الشارع الذي يسير فيه مئات المارة، متلاصقين متدافعين، يميل السائر فيه ـ عادةً ـ يمنة ويسرة، باحثاً عن فرجة بين الأجسام المتراصة» (ص69).
عالم يتغيَّر:
وإذا كانت السينما تسجل بالصورة عالماً يزول أو يتغيَّر، فقد سجَّل الروائي حامد دمنهوري بعض ملامح المكان المكي في حوار عبد الرحمن مع سالم:
ـ لقد آن الأوان يا شيخ سالم لإخلاء “المسعى” من جميع الحوانيت، ومن ثم استخدام هذه البقعة في غرضها الأصيل. إن “المسعى” مشعر مقدس يؤدي فيه الحاج أو المعتمر شعيرة مقدسة من شعائر الدين، والمفروض في ذلك ـ على أقل تقدير ـ إخلاؤه من الحوانيت والباعة المتجولين الذين يُنادون على سلعهم ليل نهار. إن الساعي تتوزّعه النداءات المتكررة والأصوات المزعجة، والضجيج المتعالي، فيشغله عما هو فيه من دعاء وابتهال. زد على ذلك ما نراه من الحيوانات السائبة التي تسعى مع الساعين، وتُعرقل سيرهم. (ص70).
وقد صوّر الروائي “سويقة” في الضحى صورة لافتة، خلدتها عدسةُ المصور الحساسة التي لا تترك شاردةً ولا واردة:
«كانت سويقة آنذاك، وبعد أن بدأ الضحى ينشر ضوءه على الأسواق، قد اتخذت مظهرها المعتاد، فقد فتحت جميع الحوانيت أبوابها، وعُرِضتْ على واجهاتها ألوان المنسوجات الحريرية، ورصت على رفوفها أنواع الأقمشة القطنية والصوفية، كما تدلّت من العوارض الخشبية شتى أنواع المطرزات، ما بين ذهبي، وفضي، وأصفر وأحمر.
وبالرغم من أن الشمس ـ في مثل هذا الوقت قد بدأت تتسنّم الأفق ، وتُصلي جميع الأسواق بحرارتها الموقدة وضوئها الوهّاج، إلا أن نصيب الشارع من النور لا يتعدّى إلا قطعاً صغيرة من الضوء، تتخلل ثقوب المظلة العتيقة، فتبدو متناثرة على أرض الشارع، وكأنها قطع نقود فضية تلمع في الظلام» (ص81، 82).
وعالم ثمن التضحية عالم رتيب منظم، تعلم ردود أفعاله من سيره، فالروائي يشير في أكثر من مكان من روايته إلى العالم المنظم بدقة الذي يُحكم تصرفات شخصياته ويؤثر في عالم روايته.
فخديجة مثلاً يعرف أبناؤها سلوكها وردود أفعالها، كما يصور ذلك هذه الفقرة من الفصل الأول، التي ترد بعد شجار بين الأبناء:
«ووسط المعركة التي قلبت نظام البيت وأشاعت الفوضى فيه لا يبدو على “أحمد” أي أثر للانفعال، أو المشاركة في فض النزاع الذي يتكرّر كل ليلة، وفي هذا الوقت على مرأى منه؛ تاركاً لأمه القيام بهذه المهمة، على طريقتها في التربية. تلك الطريقة التي تتسم دائماً باللين، فلا يتعدّى جزاؤها الوعيد الذي يتكرّر خلال كل معركة تنشب بين أولادها، وقد أصبح لتكراره جرس خاص تعوّد عليه مع مرور الأيام، وقد أصبح تعودهم على سماعه لا يحمل إلى أذهانهم أي معنى من معاني الوعيد» (ص44).
حتى لقاء عبد الرحمن وسالم اليومي محدد ومعروف «كثيراً ما تلاقى الشيخ عبد الرحمن وجاره الشيخ سالم في هذه البقعة بالذات، فقد كان كل منهما يتوجه إلى دكانه في وقت معين، لا يتقدّم دقيقة ولا يتأخّر ثانية إلا فيما ندر من الظروف، ولأمر خارج عن إرادتهما يؤخّرهما أو يؤخِّر أحدهما عن موعده، أو يحيد به عن طريقه المرسوم في الذهاب إلى الدكان»(ص68).
التداخل:
يتداخل نص رواية «ثمن التضحية» مع فن المسرحية في أماكن قليلة من الرواية، حيث يستخدم الوصف المُضارع بين الحوار ـ باستخدام الفعل المضارع أو اسم الفاعل، ويظهر ذلك في حديث عبد الرحمن وسالم:
ـ … ليس هناك أي خبر عن إخلاء حوانيت “المسعى”، ولكن الخبر هو زيادة أجور المساكن والدكاكين.
التفت الشيخ عبد الرحمن إلى محدثه قائلاً:
ـ ومن أين لك بهذا الخبر؟ إني لم أر شخصاً يحدثك منذ أن وصلنا إلى هنا.
وخفض الشيخ سالم من صوته وكأنه يخاف من إشاعة الخبر، أو أنه يُشفق من تحقيقه(1) إذا أُشيع.
ـ إن الصبي (مشيراً إلى حانوته الذي يقع أمامه) هو الذي حمل هذا الخبر بمجرد وصوله إلى الدكان” (ص78).
فجملة (مشيراً إلى حانوته الذي يقع أمامه) علامة مسرحية، تسللت إلى هذه الرواية المبكرة، لتعرفنا أن الفنون يُمكنها أن تتداخل، ويُثري بعضُها بعضاً.
وفي الفصل الثاني نفسه ـ ومنه المقطع السابق ـ يرد هذا الحوار بين أحمد وعمه (عبد الرحيم) ووالده:
ـ على كل حال لا أرى في الأمر ما يستدعي مشورة الطبيب. قليلاً من الراحة وسوف تطيب (والتفت أحمد إلى أبيه هامساً في أذنه):
ـ لا تنس (مشيراً إلى عمه بطرف إصبعه).
وابتسم أبوه ابتسامة ذات معنى أدركه أحمد مما بث الاطمئنان في نفسه القلقة، وقال الأب في صوت سمعه عبد الرحيم:
ـ اذهب إلى المنزل .. وسنفكر في عرضك على الطبيب (ص91).
فجملتا: (والتفت أحمد إلى أبيه هامساً في أذنه) و(مشيراً إلى عمه بطرف إصبعه) إشارتان مسرحيتان، من الإشارات التي توجه للمخرج ـ أو القارئ ـ للنص المسرحي، فالهمس إلى الوالد والإشارة يتعلقان بالحديث الذي جرى ليلة الأمس عن حديث بين أحمد والده حول زواج (أحمد) من بنت عمه (فاطمة)، ووجوب تأجيله حتى يُتم دراسته في مصر.
ومثلها (ثم ملتفتاً إلى عبد الرحيم مستأنفاً حديثه) (ص101) التي وردت أثناء الحديث على الطعام بين فاطمة وخالها كمال.
الوصف:
يقوم الوصف بدور بنائي لافت في بناء النص، أحداثاً وشخصيات.
ومن الوصف الذي يستكمل صورة بناء الحدث، وتنميته في النص هذا الوصف الذي ساقه الروائي بعد أن استمع أحمد إلى أبيه يطلب منه خطبة ابن عمه عبد الرحيم (فاطمة)، وهو يقترح عليه أن يخطبها لأنها بلغت الرابعة عشرة، وجاءها خطاب كثيرون، وكان قد اتفق مع والدها على تزويجها لأحمد منذ طفولتهما الباكرة، بينما كان رأي أحمد أن يخطبها فحسب دون أن يبني بها حتى يُكمل تعليمه، وقد يستغرق ذلك سبع سنوات إذا سافر إلى مصر ودخل كلية الطب. إننا نرى الوصف هنا يقوم بدور دال في تصوير الحيرة التي مرّ بها أحمد:
المزيد