ـ 2 ـ
حين علا صوت الجرس ، كان سمير دسوقى أقرب إلى الباب ، ففتحه ..
طالعته المرأة بنظرة مرتبكة . كانت ترتدى فستاناً أزرق من قطعة واحدة ، قصير الكمين ، مفتوحاً إلى أعلى الصدر .
ـ شقة الأستاذ إبراهيم ..
ـ لا ..
صيحة جزرة منعته من إغلاق الباب . تنقلت نظراته بين المرأة الواقفة والشبان الذين تعالت أصواتهم بعبارات الترحيب . كان قد عرف الأسماء : عزام الزهراوى طالب فى الدراسات العليا بجامعة دمشق ، قدم إلى القاهرة لإعداد رسالة ماجستير عن البدو الرحل فى صحارى مصر وسوريا .. جزرة الشفيع ، سودانى ، طالب بمعهد اللاسلكى .. غسان جبر ، فلسطينى ، طالب بكلية الآداب جامعة القاهرة .. وردى نور ، سودانى ، طالب بمعهد الخدمة الاجتماعية .. حمد رشيد وحسام خياطى من البحرين وتونس طالبان فى معهد الموسيقا العربية .. عبد الله زيدون سورى .. تاجر .. هشام مجاهد وجلال ضيف الله .. أبعدتهما ظروف الوظيفة عن مدينتيهما ، فأقاما فى القاهرة ..
تابع بعينى الدهشة نزع المرأة قدميها من الحذاء ، وفتح الحقيبة عن قميص نوم ، تستبدله ـ دون أن يشغلها تطلع النظرات ـ بثيابها ..
قال جزرة لنظرته الذاهلة :
ـ أول مرة تشوف واحدة ست ..
وهو يحاول لملمة نفسه :
ـ أبداً .. أبداً ..
ـ أعدك باكتساب الخبرة خلال أيام ..
ومضت وقفته ـ فى الصباح ـ أمام سعد الدين وهبة . أعطى بطاقة التوصية من أحمد عباس صالح إلى نعمان عاشور .
هز نعمان كتفيه :
ـ من يظننى عباس صالح ؟ أنا مجرد كاتب مسرحى .
ومضى ناحية غرفة مواربة :
ـ دعنا نر .
قرأ البطاقة لأحمد طوغان . نقر طوغان على حجرة مقابلة ، ودعاه للدخول .
لاحظ سعد الدين وهبة ارتباكه :
ـ هل أنت خائف ؟
ـ لا ..
ـ الخوف شعور طبيعى .. لكن علينا أن نرفضه ..
ودون أن يلتفت :
ـ عندما تحتك بالكبار .. ستكتشف أنهم مجرد تماثيل من الملح ..
ثم وهو يتأمل وقع الكلمات عليه :
ـ فاهمني ؟!
***
ما يحدث كأنه الطقس المتكرر ..
يظل فى السرير حتى تهدأ الحركة فى الصالة . يضايقه الوقوف بالدور أمام باب الحمام المغلق . تتعالى عبارات الاستعجال والإلحاح والتوبيخ .
يلتقط فرشاة الأسنان من درج الكومودينو ، ويتجه إلى الحمام ..
فى منتصف النهار يخلو البنسيون من الحياة . يغادره الجميع ، أو يغلق عليه حجرته من يروح فى النوم . تتنقل عنابر بين الحجرات والصالة والمطبخ والحمام ، تنشغل فى أكثر من شئ : تغير أغطية الوسائد والمراتب ، وتضع ـ فى سلة ـ ما يحتاج إلى الغسيل ، ترتب الأسرّة ، تنظف الأرضية بالمقشة ، تلمّع زجاج النوافذ ، تعد طعام الغداء لمن يطلبه ، تغسل الثياب التى يعهد بها إليها أصحابها ، أو تخطف رجلها إلى سوق باب اللوق تشترى ما يوصى به النزلاء .
ضاق بالحمام المشترك ، بالوقفة أمام الباب المغلق . ربما يشاركه وقفته آخر ، يستأذن ـ لضرورة ـ فى أن يدخل أولاً . يظل فى حجرته حتى يطمئن ـ من انفراجة الباب ـ إلى أن عنابر وحدها داخل البنسيون . يحمل العلبة البلاستيكية الصغيرة ، بداخلها الفرشاة ومعجون الأسنان وماكينة الحلاقة وقطعة الصابون ، يرخى الفوطة على كتفه . يدخل الحمام ، ويغلقه . مجرد أن يغلق الباب عليه ، لا يتوقع الطرقات المزعجة ، ولا الإلحاح . يخلو إلى نفسه ، فيشعر بالحرية . يقرأ الجريدة ، يتأمل الفراغ ، ويشرد .
يعد كل منهم وجباته بنفسه ، أو تعدها له عنابر . يعطيها النقود ، ويعدد ما يطلب ..
المطبخ أقرب إلى حجرة واسعة . لصق الجدار ـ على يمين الباب ـ ثلاجة خشبية ، تأتى لها عنابر كل صباح بقالب ثلج يحفظ لها برودتها . فى الناحية المقابلة بريموس . وعلى الجدار رفان من الألومنيوم ، تصف فيهما الأطباق ، وعلقت المغارف والسكاكين ، وعلى الرخامة المستطيلة ، بجانب الحوض ، وضعت الأوعية . كل وعاء فى موضعه على طاولة المطبخ يدل على صاحبه ، فلا يحاول أحد حتى أن يتعرف على ما تحت الغطاء . ربما تبادلوا الطعام ، أو وضع كل منهم طعامه على ترابيزة الصالة ، تتحول إلى مائدة للجميع . تختلف أنواع الطعام باختلاف البلاد : البامية والملوخية التونسية والشخشوخة والمحاشى والشاورما واللحم الحلو والبريانى والمنسف والكسكس والسالونا والتبولة والحمص ومرقة الزيتون . يلجأون إلى عنابر لتطبخ فتة الكوارع . لم تكن المائدة تخلو من الخبز وقطع الجبن وحبات الزيتون وأكواب الشاى ودورق الماء المثلج ، بالإضافة ـ أحياناً ـ إلى بعض ثمار الفاكهة .
فاجأهم غسان ـ وهو يعتذر ـ بغداء من الفول والحمص والزيتون .
يظهر وردى نور ضيقه لصوت طحن الطعام بين أضراس جلال ضيف الله ، يعلو رتيباً ، مملاً .
كان حمد رشيد يفضل ممارسة الحب وقت القيلولة . يتناول غداءه ، وينسحب إلى الحجرة . ينتظر موعداً ، أو يومئ إلى عنابر بإيماءة . تمضى وراءه .
يفتنه شعرها المصبوغ بالحناء ، المنسدل على كتفيها . يرى أن الشعر أميز ما فى المرأة ، أجمل ما فى المرأة . وافق على رأى قرأه ـ لا يذكر أين ـ بأن الشعر تاج المرأة . هو كذلك بالفعل . من السهل رؤية رجل أصلع الرأس . من المستحيل أن يخلو رأس المرأة من الشعر . يتخيل ـ يرى ـ رجلاً بلا شعر على رأسه ، لا يتصور أن امرأة يخلو رأسها ولو من باروكة . كان الفرنسيون يعاقبون المرأة التى تساهلت مع غزو النازى بجز شعر رأسها . يتوقعون التأثير فى نفس المرأة ، وفى نظرات الناس . يرفض المودات التى تقصر الشعر ، أو تجعله معقوصاً ، أو تضفّره فى جدائل . يحب الشعر الناعم ، المنسدل إلى الظهر ، أو حتى إلى الكتفين . يتوق لأن يلامسه ، يمسده بأصابعه ..
يحل المساء ، فتفتح الحجرات المغلقة . يتحركون بين الحجرات والصالة . يرتدون الملابس البيتية : الجلباب ، البيجامة ، الشورت . ربما اكتفى جزرة بالثياب الداخلية وظل حافياً . يميز نفسه بخصلة الشعر فى مقدمة رأسه ، كأنها عرف ديك .
يتحدثون فى الفن والأدب والموسيقى والرياضة وأحوال الجو وزحام المواصلات ومباريات كرة القدم . يخوضون فى مناقشات ودعابات ، يتبادلون قراءة المنفلوطى والحكيم ومحفوظ والسباعى وجوركى والشرقاوى وطه حسين وحقى وتشيخوف ومكاوى وباكثير ، وقصائد شوقى وحافظ ونازك الملائكة والسياب ، وكتابات فرويد وسارتر وكولن ولسون ومندور والعقاد وسلامة موسى ..
اعتاد الطرقات على باب الشقة . يفتحه ويتراجع ، وهو يخفض رأسه ، أو يتجه إلى الفراغ . تدخل المرأة باندفاعة ـ اندفاعة دائماً ـ كأنها تلوذ بالبنسيون من مطاردة .
عرف ـ فى الأيام التالية ـ معنى الطرقات والسؤال عن الاسم الغائب والدعوات المرحبة . تعرف المرأة من البوابين وسماسرة العقارات أماكن البنسيونات والشقق التى تقتصر الإقامة فيها على الشبان . تعرف حتى التفاصيل الصغيرة : عدد النزلاء ، مستوى الدخل ، الميل إلى الإنفاق ، التعامل مع المترددات . اعتاد طرقات الباب ، والمرأة التى تنطق اسم مصطفى ، أو حسين ، أو مجدى ، أى اسم علق بذاكرتها ، أو استدعته .
ربما ينقضى اليوم دون أن يأتى زائر ، وربما قدم أكثر من زائر . يتغير مذاق الجلسات ، فالارتباك يشمل المرأة . تدخل التورية والكناية . ثم يتوالى استقبال الحجرات للمرأة الضيفة . ثمة من يدخلن دون استئذان . يمرقن من الباب فور أن يفتح . لا يتبين الواقف ، ولا يتبادلن سوى كلمة أو عبارة مقتضبة : سلام .. أهلاً .. مساء الخير . تشحب الرغبة فى داخله أمام شعوره بالإشفاق . يتفقن فى الحرص على وضع البودرة وأحمر الشفاه الداكن والكريمات والمانيكير وخطوط الأقلام حول العينين .
أذهله صمت المرأة عن قرصة جزرة فى فخذها ..
تصاعدت ـ فى داخله ـ رهبة المكان الجديد ، الحياة التى يتعرف إليها للمرة الأولى . بدت الموضوعات التى تتناولها مناقشاتهم جديدة عليه . لم يكن يتصور أنها ستدور أمامه بهذه البساطة . اعتاد سماع حكايات الظروف القاسية : الأبوين المنفصلين ، غدر الشاب الذى اختطف الثمرة وجرى ، تحريض الزوج على احتراف الدعارة ، عجز الأم عن الإعالة فتسلم البنات الثلاث إلى ملجأ اليتيمات ، إخفاء الزوج لعجزه بالضرب . ظلت المرأة تهمل ما يصل إليها من أنباء حياة زوجها مع أخريات . لا لوم على الرجل الذى يعود إلى بيته كل ليلة . إذا كان الله قد أحل الزواج بأربع ، فلأنه يعرف حاجة الرجل لأكثر من امرأة . لما طالت غيبته الأخيرة ، بدأت فى التردد على البيوت . تحدثت المرأة عن ضيقها من الممارسات الشاذة . عانت الكثير من التصرفات القاسية . آخرها لما ألقى بها ثلاثة شبان فى طريق المطار ، بعد أن سلبوها كل ما كان معها . حتى الخاتم الفالصو انتزعوه من إصبعها . قبلت أن
المزيد