ليلة مع كليوباترا

ديسمبر 21st, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة

ليلة مع كليوباترا

(من دفتر أنطونيو)

شعر: حسين علي محمد

 

(1)

ذا قنديلي مُشتعِلٌ في العَتْمَهْ

ذي أفراسي تصهلُ في الليْلِ

سفائنُنا تركضُ فوقَ الموجِ المذعورِ

وحدقاتُ مدائنِنا تُبصِرُني

واللعنةُ ـ وجهُكِ يأسرُني

إنِّي أنتظرُكَ في شَوْقٍ يا وجهَ المحبوبَهْ

هيَّا في أوْراقِ اللَّعِبِ

وفي كأْسِ المزَّةِ،

.. في أوراقِ التُّوتِ

.. وفي أَورادِ اللوتَسِ إذ يتلوها الكهنةُ

صبحاً وعشِيًّا

فتُحاصِرُني

 

(2)

ذا وجْهُ المحبوبةِ يأْسِرُني

يأخذُني منْ صَحبي

(يا هذا الوجه المرْمرْ

ذوِّبْني

واللَّعنةُ للطُّرُقِ الفظَّهْ

والفرسانِ ألأجلافِ غِلاظِ الأكبادْ

إنِّي مُشتاقٌ للضمَّةِ، والضِّحكةِ، والبسْمةِ

تشرخُني نصفيْنِ

وتُرديني قُدَّامَكِ عبْدا

هذا الآسِرُ ـ مأْسورٌ

هذا الكاسِرُ أضحى في ربقتِكِ طريَّ العودِ غريرا

 

(3)

اللعنةُ شرنَقَةٌ حوْلي ، والصَّدْرُ قِلاعٌ

ما هذا يا امرأَةً أخَذَتْني منِّي

شطَرَتْني في دائرةِ الفَزَعِ المُقلِقِ نصفيْن

ما هذا يا امرأةً طَلَعَتْ في عُمري

          كوكبَ نورٍ، دفْقَةَ عطْرْ

ما هذا يا امرأةً أنْسَتْني وَهَجَ الشِّعْرِ

المزيد


بلا دموع …! ـ قصة قصيرة للدكتور حسين علي محمد

ديسمبر 11th, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة, قصص قصيرة, مختارات

دعا حسام الله أن تكون خطيبته هند مع أمها فقط في البيت، وأن يكون أخوها عمر مدرس الفيزياء في مدرسة القرية الثانوية ـ الذي يكبرها بعامين قد ذهب لحصة دروس خصوصية صيفية، وتمنى أن تفتح هي الباب، حتى ينعم بنظرتها التي يُحب أن يراها دائماً.
أما والدها المهندس عثمان فهو متأكد أنه لن يراه، فهو يعمل في شركة بترول بالصحراء الشرقية، ولا يعود إلا كل شهر مرة ليُمضي مع أسرته عشرة أيام، وهو قد سافر منذ عشرة أيام لا غير.
لكن الله لم يستجب دعاءه، فقد فتحت له الحاجة عنايات (أو أم عمر) الموجهة المالية والإدارية بإدارة الزقازيق التعليمية.
***
قدّمت أم عمر الشاي لحسام وابن خالته صدقي ـ وهو محاسب بإدارة المنصورة الهندسية، وأشيب، وفي الخامسة والأربعين ـ ولاحظ حسام أن أم عمر متوترة، وأن بريق دمعتين منطفئتين في عينيها.
قال:
ـ أين هند؟
ـ في الإسكندرية.
ـ لماذا سافرت وحدها؟ .. اعتادت ألا تسافر إلا معي أو مع الأستاذ عمر.
قالت أم عمر في آلية:
ـ الإسكندرية قريبة.
بلع ريقه في صعوبة:
ـ ومتى ستعود إن شاء الله؟
ـ قبل نهاية الإجازة بأسبوع.
نحن في أول الإجازة .. فهل ستُمضي شهريْن عند خالها في الإسكندرية؟ .. وكيف سيقضي هو هذه الفترة العصيبة؟
***
دخلت أم عمر إلى الحجرة المُجاورة، وعادت وهي تحمل حقيبة يد سمراء كم رأى هند وهي تحملها في كتفها، وكم وضع لها بعض الورود فيها، وهما يمشيان معاً في الزقازيق.
خطبها منذ عام، وقدّم شبكة متواضعة من دبلتين: ذهبية لها وفضية له، وابتدأ يجمع القرش إلى القرش حتى يُؤثث شقته المتواضعة ـ التي تتكوّن من حجرتين ـ في الزقازيق.
كانت هند غير راضية بها، لكنها تعرف أن العين بصيرة واليد قصيرة وسيستأجران ـ فيما بعد ـ شقة أخرى تكون أوسع من تلك التي كجحر الثعلب، ولا تزيد عن سبعين متراً.
حسام وهند من قرية لا تبعد كثيراً عن الزقازيق، كانا في مدرسة واحدة منذ المرحلة الابتدائية، فالإعدادية، فالثانوية. وكانا يتنافسان دائماً على المركز الأول. والتحقا بكلية التجارة، وهاهما قد تعيّنا معيديْن منذ ثلاثة أعوام.
كانت حكاية حبهما على كل لسان منذ نهاية المرحلة الثانوية.
***
جلست أم عمر على الكنبة، ووضعت الحقيبة بجانبها.
قال حسام:
ـ لم تقل لي هند أنها ستُسافر لزيارة خالها الباشمهندس محمود في الصيف.
جو القرية خانق .. يحس برائحة خانقة .. لعلها رائحة يد حلة محروقة، تختلط برائحة سمك نفّاذة .. يبدو أنها منبعثة من البيت المواجه الذي يبعد ثلاثة أمتار فقط عن الحجرة التي يجلسون فيها.
قال صدقي لحسام وهو يميل على أذنه:
ـ عجِّل .. أحس برائحة غير طيبة تملأ المكان!
يبدو أن أم عمر قد سمعت المُلاحظة، فبدا على وجهها ما يشير إلى ال

المزيد


أبجدية الرحيل

ديسمبر 11th, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة

أبجدية الرحيل

شعر: د. حسين علي محمد

 

1-الصوت الأول :

(إلى الأصدقاء الذين تخلَّوْا عني في منتصف الطريق)

*أعينُكم في عينيَّ المُتعَبَتينِ الآملتيْنِ تقولانِ كلاماً يُشعرُني بالحبِّ وبالصِّدْقِ، وهاأنتم تبتعدونَ وأبقى وحدي في ليْلِ الثَّلْجِ، أُجالسُ غربةَ نفسي، وأُقاسي عَبَثَ الزَّمنِ وصمتَ  الغُربةِ والأحزانْ.

*الشمسُ الشاردةُ العجْلى ترَكَتْ نافِذتي المفتوحةَ للنَّسماتِ الصَّيفيةِ، وحديقتُنا اليابسةُ التَّوَّاقةَ للمطَرِ تُداعِبُ حُلْماً أخضرَ .. هلْ يأتيها في نيسانْ؟

*ها أنتُم تبتعدونَ ، ولا يرجعُ أحَدٌ منكم: من يقتلعُ جذورَ الخوْفِ من القلْبِ إذنْ ؟ منْ يرْأَبُ منكُمْ شرْخَ الحزنِ، وهلْ تُشرقُ ثانِيَةً فينا الشَّمسُ وتمْنحُنا كأْسَ النِّسيانْ ؟

 

2-الصوتُ الثَّاني :

(إلى مديحة …)

 *هلْ يتكلَّمُ حضنُ مديحةَ، يمنحُني دفئاً وحناناً، يتبرْعمُ حُبًّا، يحملُ باقةََ ورْدٍ، ويُضِيءْ ؟

*في الشُّباك أُطِلُّ، وأنتظرُ الوجْهَ الغائبَ ـ وجهَ مديحةَ ـ (هلْ يأْتيني معْ نَسَماتِ الصُّبحِ، وفي أزهارِ بيعٍ؟) حتْماً سيجيءْ.

المزيد


نص رواية «كوب شاي بالحليب» لمحمد جبريل (17)

نوفمبر 11th, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة

نص رواية «كوب شاي بالحليب» لمحمد جبريل (17)

ـ 17 ـ

لاحظ فى صدره ثلاث بقع بنية ..

حدس ـ فى البداية ـ أنها بثور أو رءوس سوداء . استفزه شكلها الغريب ، وثبات لونها . حشرات متناهية الصغر ، التصقت بشعر الجسد ، غاصت فى اللحم كأنها التحمت به . حكها بظفره . بدت ملتصقة بجلده ، لم تبرز بما يتيح له نترها ، كأنها جزء من البشرة . عاود الحك . أذهله تحرك الحشرة بأقدام يصعب عدها . تمازجت الصرخة بنتر إصبعه . أطال الوقفة تحت الدش . تحمل الماء الساخن ، حتى تعالت النداءات خارج الحمام ، تستحثه على الخروج . ظلت الحشرة ـ هى حشرة بالتأكيد ـ فى مواضعها ، لا يبدو أنها تأثرت بالماء الساخن . راعه ـ فى الأيام التالية ـ حشرات أخرى كثيرة بنفس الحجم واللون ، فى الكتفين ، وتحت الإبطين ، وما بين الفخذين ، وأعلى الصدر ..

مضى ـ بالتذكر ـ إلى عيادة فى الطابق الأول من آخر بنايات الميدان . الصالة المستطيلة ، علقت على جدرانها لوحات عن أجزاء من الجسد الإنسانى . اختار كرسياً قبالة حجرة الطبيب المغلقة . تشاغل بتصفح مجلة ، سحبها من الطاولة أمامه . مد يده ، يتصفح مطبوعة أخرى بقراءة عابرة . أعادها حين اكتشف أنها  ليست مجلة ، وإنما نشرة دعاية طبية ..

دخل فى ترتيبه ..

ثمة فى الركن دولاب زجاجى ، بداخله جفتات ومقصات وأدوات معدنية وزجاجات دواء مختلفة الألوان والأحجام . فى الركن المقابل مكتبة صفت فيها كتب بالإنجليزية، تعلوها مروحة ساكنة. على الجدران شهادة تخرج من كلية طب قصر العينى ، وشهادة زمالة من جامعة أدنبرة ، وقصيدة من الشعر التقليدى مرفوعة ـ كما ذكر الشاعر فى البداية ـ إلى النطاسى البارع مدحت أبو النجا .

سأله الطبيب عن السن ، والمهنة ، وموعد ملاحظة تناثر البقع ، وإن كان قد صاحبها آلام ، والأمراض التى عاناها من قبل ؟

أسلم نفسه لأوامر الطبيب . نزع قميصه . رفع فانلته الداخلية . الطبيب فى حوالى الأربعين ، عيناه ترتجفان وراء نظارته الطبية ذات الإطار الذهبى ، وعلى شفتيه ابتسامة دائمة ، كأنه ألصقها بهما . تحسس ـ بالجوانتى فى يده ـ مواضع الإصابة . كتم سمير نفسه ، وأطلقه ، والسماعة تجوس فى صدره ، وجهاز الضغط ملتف حول زنده ..

هز الطبيب رأسه دلالة الفهم. قال:

ـ قمل العانة ..

أضاف موضحاً :

ـ هذا مرض جنسى ..

ومال ناحيته :

ـ متزوج ؟

ـ لا ..

قال الطبيب :

ـ قمل العانة لا يأتى إلا بالمعاشرة الجنسية ..

وغمز بعينه :

ـ أنت تكثر من الشقاوة ..

أشار إلى صدره فى ارتباك :

ـ أنا ؟!

ـ هذه الحشرة لا تأتى من الهواء ..

المزيد


نص رواية «كوب شاي بالحليب» لمحمد جبريل (2)

نوفمبر 5th, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة

ـ 2 ـ

حين علا صوت الجرس ، كان سمير دسوقى أقرب إلى الباب ، ففتحه ..

طالعته المرأة بنظرة مرتبكة . كانت ترتدى فستاناً أزرق من قطعة واحدة ، قصير الكمين ، مفتوحاً إلى أعلى الصدر .

ـ شقة الأستاذ إبراهيم ..

ـ لا ..

صيحة جزرة منعته من إغلاق الباب . تنقلت نظراته بين المرأة الواقفة والشبان الذين تعالت أصواتهم بعبارات الترحيب . كان قد عرف الأسماء : عزام الزهراوى طالب فى الدراسات العليا بجامعة دمشق ، قدم إلى القاهرة لإعداد رسالة ماجستير عن البدو الرحل فى صحارى مصر وسوريا .. جزرة الشفيع ، سودانى ، طالب بمعهد اللاسلكى .. غسان جبر ، فلسطينى ، طالب بكلية الآداب جامعة القاهرة .. وردى نور ، سودانى ، طالب بمعهد الخدمة الاجتماعية .. حمد رشيد وحسام خياطى من البحرين وتونس طالبان فى معهد الموسيقا العربية .. عبد الله زيدون سورى .. تاجر .. هشام مجاهد وجلال ضيف الله .. أبعدتهما ظروف الوظيفة عن مدينتيهما ، فأقاما فى القاهرة ..

تابع بعينى الدهشة نزع المرأة قدميها من الحذاء ، وفتح الحقيبة عن قميص نوم ، تستبدله ـ دون أن يشغلها تطلع النظرات ـ بثيابها ..

قال جزرة لنظرته الذاهلة :

ـ أول مرة تشوف واحدة ست ..

وهو يحاول لملمة نفسه :

ـ أبداً .. أبداً ..

ـ أعدك باكتساب الخبرة خلال أيام ..

ومضت وقفته ـ فى الصباح ـ أمام سعد الدين وهبة . أعطى بطاقة التوصية من أحمد عباس صالح إلى نعمان عاشور .

هز نعمان كتفيه :

ـ من يظننى عباس صالح ؟ أنا مجرد كاتب مسرحى .

ومضى ناحية غرفة مواربة :

ـ دعنا نر .

قرأ البطاقة لأحمد طوغان . نقر طوغان على حجرة مقابلة ، ودعاه للدخول .

لاحظ سعد الدين وهبة ارتباكه :

ـ هل أنت خائف ؟

ـ لا ..

ـ الخوف شعور طبيعى .. لكن علينا أن نرفضه ..

ودون أن يلتفت :

ـ عندما تحتك بالكبار .. ستكتشف أنهم مجرد تماثيل من الملح ..

ثم وهو يتأمل وقع الكلمات عليه :

ـ فاهمني ؟!

***

ما يحدث كأنه الطقس المتكرر ..

يظل فى السرير حتى تهدأ الحركة فى الصالة . يضايقه الوقوف بالدور أمام باب الحمام المغلق . تتعالى عبارات الاستعجال والإلحاح والتوبيخ .

يلتقط فرشاة الأسنان من درج الكومودينو ، ويتجه إلى الحمام ..

فى منتصف النهار يخلو البنسيون من الحياة . يغادره الجميع ، أو يغلق عليه حجرته من يروح فى النوم . تتنقل عنابر بين الحجرات والصالة والمطبخ والحمام ، تنشغل فى أكثر من شئ : تغير أغطية الوسائد والمراتب ، وتضع ـ فى سلة ـ ما يحتاج إلى الغسيل ، ترتب الأسرّة ، تنظف الأرضية بالمقشة ، تلمّع زجاج النوافذ ، تعد طعام الغداء لمن يطلبه ، تغسل الثياب التى يعهد بها إليها أصحابها ، أو تخطف رجلها إلى سوق باب اللوق تشترى ما يوصى به النزلاء .

ضاق بالحمام المشترك ، بالوقفة أمام الباب المغلق . ربما يشاركه وقفته آخر ، يستأذن ـ لضرورة ـ فى أن يدخل أولاً . يظل فى حجرته حتى يطمئن ـ من انفراجة الباب ـ إلى أن عنابر وحدها داخل البنسيون . يحمل العلبة البلاستيكية الصغيرة ، بداخلها الفرشاة ومعجون الأسنان وماكينة الحلاقة وقطعة الصابون ، يرخى الفوطة على كتفه . يدخل الحمام ، ويغلقه . مجرد أن يغلق الباب عليه ، لا يتوقع الطرقات المزعجة ، ولا الإلحاح . يخلو إلى نفسه ، فيشعر بالحرية . يقرأ الجريدة ، يتأمل الفراغ ، ويشرد .

يعد كل منهم وجباته بنفسه ، أو تعدها له عنابر . يعطيها النقود ، ويعدد ما يطلب ..

المطبخ أقرب إلى حجرة واسعة . لصق الجدار ـ على يمين الباب ـ ثلاجة خشبية ، تأتى لها عنابر كل صباح بقالب ثلج يحفظ لها برودتها . فى الناحية المقابلة بريموس . وعلى الجدار رفان من الألومنيوم ، تصف فيهما الأطباق ، وعلقت المغارف والسكاكين ، وعلى الرخامة المستطيلة ، بجانب الحوض ، وضعت الأوعية . كل وعاء فى موضعه على طاولة المطبخ يدل على صاحبه ، فلا يحاول أحد حتى أن يتعرف على ما تحت الغطاء . ربما تبادلوا الطعام ، أو وضع كل منهم طعامه على ترابيزة الصالة ، تتحول إلى مائدة للجميع . تختلف أنواع الطعام باختلاف البلاد : البامية والملوخية التونسية والشخشوخة والمحاشى والشاورما واللحم الحلو والبريانى والمنسف والكسكس والسالونا والتبولة والحمص ومرقة الزيتون . يلجأون إلى عنابر لتطبخ فتة الكوارع . لم تكن المائدة تخلو من الخبز وقطع الجبن وحبات الزيتون وأكواب الشاى ودورق الماء المثلج ، بالإضافة ـ أحياناً ـ إلى بعض ثمار الفاكهة .

فاجأهم غسان ـ وهو يعتذر ـ بغداء من الفول والحمص والزيتون .

يظهر وردى نور ضيقه لصوت طحن الطعام بين أضراس جلال ضيف الله ، يعلو رتيباً ،   مملاً .

كان حمد رشيد يفضل ممارسة الحب وقت القيلولة . يتناول غداءه ، وينسحب إلى الحجرة . ينتظر موعداً ، أو يومئ إلى عنابر بإيماءة . تمضى وراءه .

يفتنه شعرها المصبوغ بالحناء ، المنسدل على كتفيها . يرى أن الشعر أميز ما فى المرأة ، أجمل ما فى المرأة . وافق على رأى قرأه ـ لا يذكر أين ـ بأن الشعر تاج المرأة . هو كذلك بالفعل . من السهل رؤية رجل أصلع الرأس . من المستحيل أن يخلو رأس المرأة من الشعر . يتخيل ـ يرى ـ رجلاً بلا شعر على رأسه ، لا يتصور أن امرأة يخلو رأسها ولو من باروكة . كان الفرنسيون يعاقبون المرأة التى تساهلت مع غزو النازى بجز شعر رأسها . يتوقعون التأثير فى نفس المرأة ، وفى نظرات الناس . يرفض المودات التى تقصر الشعر ، أو تجعله معقوصاً ، أو تضفّره فى جدائل . يحب الشعر الناعم ، المنسدل إلى الظهر ، أو حتى إلى الكتفين . يتوق لأن يلامسه ، يمسده بأصابعه ..

يحل المساء ، فتفتح الحجرات المغلقة . يتحركون بين الحجرات والصالة . يرتدون الملابس البيتية : الجلباب ، البيجامة ، الشورت . ربما اكتفى جزرة بالثياب الداخلية وظل حافياً . يميز نفسه بخصلة الشعر فى مقدمة رأسه ، كأنها عرف ديك .

يتحدثون فى الفن والأدب والموسيقى والرياضة وأحوال الجو وزحام المواصلات ومباريات كرة القدم . يخوضون فى مناقشات ودعابات ، يتبادلون قراءة المنفلوطى والحكيم ومحفوظ والسباعى وجوركى والشرقاوى وطه حسين وحقى وتشيخوف ومكاوى وباكثير ، وقصائد شوقى وحافظ ونازك الملائكة والسياب ، وكتابات فرويد وسارتر وكولن ولسون ومندور والعقاد وسلامة موسى ..

اعتاد الطرقات على باب الشقة . يفتحه ويتراجع ، وهو يخفض رأسه ، أو يتجه إلى الفراغ . تدخل المرأة باندفاعة ـ اندفاعة دائماً ـ كأنها تلوذ بالبنسيون من مطاردة .

عرف ـ فى الأيام التالية ـ معنى الطرقات والسؤال عن الاسم الغائب والدعوات المرحبة . تعرف المرأة من البوابين وسماسرة العقارات أماكن البنسيونات والشقق التى تقتصر الإقامة فيها على الشبان . تعرف حتى التفاصيل الصغيرة : عدد النزلاء ، مستوى الدخل ، الميل إلى الإنفاق ، التعامل مع المترددات . اعتاد طرقات الباب ، والمرأة التى تنطق اسم مصطفى ، أو حسين ، أو مجدى ، أى اسم علق بذاكرتها ، أو استدعته .

ربما ينقضى اليوم دون أن يأتى زائر ، وربما قدم أكثر من زائر . يتغير مذاق الجلسات ، فالارتباك يشمل المرأة . تدخل التورية والكناية . ثم يتوالى استقبال الحجرات للمرأة الضيفة . ثمة من يدخلن دون استئذان . يمرقن من الباب فور أن يفتح . لا يتبين الواقف ، ولا يتبادلن سوى كلمة أو عبارة مقتضبة : سلام .. أهلاً .. مساء الخير . تشحب الرغبة فى داخله أمام شعوره بالإشفاق . يتفقن فى الحرص على وضع البودرة وأحمر الشفاه الداكن والكريمات والمانيكير وخطوط الأقلام حول العينين .

أذهله صمت المرأة عن قرصة جزرة فى فخذها ..

تصاعدت ـ فى داخله ـ رهبة المكان الجديد ، الحياة التى يتعرف إليها للمرة الأولى . بدت الموضوعات التى تتناولها مناقشاتهم جديدة عليه . لم يكن يتصور أنها ستدور أمامه بهذه البساطة . اعتاد سماع حكايات الظروف القاسية : الأبوين المنفصلين ، غدر الشاب الذى اختطف الثمرة وجرى ، تحريض الزوج على احتراف الدعارة ، عجز الأم عن الإعالة فتسلم البنات الثلاث إلى ملجأ اليتيمات ، إخفاء الزوج لعجزه بالضرب . ظلت المرأة تهمل ما يصل إليها من أنباء حياة زوجها مع أخريات . لا لوم على الرجل الذى يعود إلى بيته كل ليلة . إذا كان الله قد أحل الزواج بأربع ، فلأنه يعرف حاجة الرجل لأكثر من امرأة . لما طالت غيبته الأخيرة ، بدأت فى التردد على البيوت . تحدثت المرأة عن ضيقها من الممارسات الشاذة . عانت الكثير من التصرفات القاسية . آخرها لما ألقى بها ثلاثة شبان فى طريق المطار ، بعد أن سلبوها كل ما كان معها . حتى الخاتم الفالصو انتزعوه من إصبعها . قبلت أن

المزيد


أبي: قصيدة للشاعر الدكتور حسين علي محمد

سبتمبر 3rd, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة

أبي

 

هُوَ الآنَ يطرُقُ باباُ من النَّقْعِ

        يصْرُخُ كيْفَ يشاءْ

يصُفُّ الأرائكَ للرِّيحِ

يُشعِلُ حجرتَهُ

    ويُحاوِرُ نجْمَ الدِّماءْ

وفي الليْلِ يومضُ برْقٌ

                       فيجفُلُ

المزيد


ماذا تقول الريح؟

سبتمبر 3rd, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , رياضة

ماذا تقول الريح؟

شعر: حسين علي محمد

 

«ماذا تقول الريحُ

يا شُبَّاكِيَ المفتوحْ»([1])

عنْ ورْدَةِ القصائدْ

عنْ قريتي “العصايِدْ”

تركِتُها في موْسِمِ الضَّنى

والشَّيْخُ واقِفٌ في بيْدَرِ الجَنى

يُحادِثُ الرياحَ بالهواجس السوداءِ ، والدُّعاءِ ،

        والقصيدْ !

عن ابنهِ الحبيبِ في البعيدِ .. في البعيدْ

“الريحُ يا صاحبُ تدْري

إنَّما تخجلُ أنْ تبوحْ”

*

«ماذا تقول الريحُ

يا شُبَّاكِيَ المفتوحْ»

في الليْلِ عنْ سميحَهْ

تركْتُها تُبادِلُ الأشجارَ والأطيارَ والفُصولْ

أُغنيةً جريحَهْ

وتفتحُ الأبوابْ ..

للعاشقِ الجوَّابْ

فقدْ يجيءُ في المساءِ حامِلاً ..

ألبرقَ .. والسَّحابا

“الريحُ يا صاحبُ تدْري

إنَّما تخجلُ أنْ تبوحْ”

*

«ماذا تقول الريحُ

يا شُبَّاكِيَ المفتوحْ»

.. في الفجْرِ عنْ سُعادْ

وبسمةٍ تُعانِقُ النجومَ والقَمَرْ

وجيدِها المُترَعِ بالجَمالْ ؟

“شقاوةُ” الأطفالْ

أضَاعَتْ الحنانَ والْخَفَرْ !

وَبَدَّدَتْ فُتونَها الذي يُفَتِّتُ الحَجَرْ !

“الريحُ يا صَاحبُ تدْري

إنَّما تخجلُ أنْ تبوحْ”

*

«ماذا تقول الريحُ

يا شُبَّاكِيَ المفتوحْ»

في الظُّهرِ عنْ حوريَّهْ

وبسمةٍ بالطُّهْرِ لُؤْلُؤيَّهْ

وقلبِها المليءِ بالأمَلْ

وجسْمِها المُشتاقِ للأحْضَانِ والقُبَلْ

“الريحُ يا صاحبُ تدْري

إنَّما تخجلُ أنْ تبوحْ”

*

المزيد