فلوبير .. وروايته مدام بوفاري

أغسطس 30th, 2008 كتبها د. حسين علي محمد نشر في , أدب عالمي

على مدى خمس سنوات ظل جوستاف فلوبير عاكفا علي شخصياته يرسمها حتي انتهي في في 30 ابريل 1856 من كتابة رائعته “مدام بوفاري” .

ولدت الفكرة لدي فلوبير بعدما أنهى كتابه “تجربة سانت أنطوان” عام 1849، وأعطاها لصديقيه الكاتبين لويس بوييه وماكسيم دوكان ليعرف رأيهما فيها. فما كان من بوييه إلاّ أن قال له: “عليك من الآن وصاعداً أن تجد مواضيع رواياتك من الواقع، أجعلها من طبقة أرض الواقع”..

. واقترح عليه أن يستوحي من قصة واقعية حصلت في المنطقة وهزت كل المجتمع، إنها قصة ابنة روان وتدعى دلفين كوتورييه. تلك المرأة المتزوجة والشابة الجميلة أرادت أن تعيش مشاعر الحب القوية التي قرأت عنها في القصص الرومانسية ، ومن عشيق الى آخر، ضاعت أحلامها حين تكسرت على أرض الواقع، وأودى بها ذلك الى الانتحار”.

القدرة على توصيف البشر

يقول د. غالب سمعان أن بطلة الرواية تميل إلى التعالي الذاتي، وكانت قراءاتها في الأدب الرومانتيكي، وإطلاعها على رواية (بول وفرجيني للكاتب الرومانتيكي برناردين دو سان برنار، بالإضافة إلى أشعار ألفونس دو لامارتين العاطفية، والحكايات التاريخية للكاتب الإنكليزي سير والتر سكوت ، قد أدت إلى تعلقها بهذا النوع من الأدب، وإلى ميلها إلى الارتقاء بذاتها، والتطلع بأمل، إلى المستقبل، والنفور من الحاضر، وإن زواجها من الطبيب التقليدي شارل بوفاري، أدى إلى زيادة إحساسها بالفراغ، ورغبتها في الانعتاق من القيد الاجتماعي، الذي يكبلها.

ويرى سمعان أن شارل بوفاري على درجة كبيرة من المحدودية، على كل المستويات، الفكرية والشعورية، وهو على دراية بأن زوجته تتفوق عليه إلى الحد الذي يجعله يرتبط بها، ارتباطا وجدانيا وثيقا، يبدو على حقيقته في آخر الرواية، عندما تصل إيما بوفاري إلى نهايتها التراجيدية، فتقرر الانتحار، بعد إخفاقها في إيجاد الحبيب، الذي تتطلع إليه نفسها، وبناء العلاقة الغرامية، التي تتوق إليها روحها، المتعطشة للحب، وهو ما يؤدي بزوجها شارل بوفاري، إلى الموت حزنا وكمدا، على زوجته الراحلة، هذا مع علمه بخياناتها المتكررة.

إيما وشارل.. زيجة غير متكافئة

تتحدث الرواية عن الفتي شارل بوفاري الذي يدخل المدرسة وهو في سن أكبر من طلبة صفه، ويقود منظره الريفي وكبر سنه المعلم والطلبة للاستهزاء به. ثم ينقل إلى دراسة الطب، ويتخرج بعد عثرات، ويفتتح عيادة في (توست) وتزوجه أمه من أرملة ثرية متقدمة في السن ومريضة في الخامسة والأربعين من عمرها.

” وكان “شارل” يخال إليه أن الزواج سيمكنه من تحسين حاله، فيغدو أكثر حرية وقدرة علي التصرف في شؤونه الشخصية والمالية، غير أن زوجته لم تلبث أن غدت صاحبة الأمر والسلطان، حتي لقد كانت تملي عليه ما ينبغي أن يقول أمام الناس وما يجب أن يمتنع عن قوله! .. وفرضت عليه أن يصوم أيام الجمعة، وأن يرتدي من الثياب ما تحب هي .. وأن يلح في مطالبة العملاء الذين لا يدفعون أتعابا! .. بل إنها كانت تفتح خطاباته، وتراكب حركاته، وتسترق السمع خلال ثقوب الباب، إذا ما حضرت بعض السيدات إلي العيادة!.”

يستدعى شارل لعلاج قسيس في بروتو، كسرت ساقه وكان ثريا، وهناك يرى ” إيما” ابنة القسيس ، والتي قادته إلى حيث يرقد والدها. وقد بدت أنها تكره الريف والعيش فيه، وكانت تلقت دراسة في رعاية راهبات الأورسلين حيث تعلمت دروساً في الرقص والرسم وعزف البيانو والجغرافيا.

تموت زوجة شارل الأولى، فيطلب يد إيما من الأب والذي كان يود أن يكون صهره أكثر غنى من شارل، وبعد استشارة الأب لابنته توافق ويوافق الأب كذلك. ويتزوج شارل وإيما في عرس باذخ ثم يعودان إلى توست، وقد بدت عقدة إيما النفسية، التي ربما نشأت من اعتقادها بأنها قبل الزواج قد دفعت إلى الحب لكنها لم تحصل على السعادة المترتبة على حبها، حتى أنها توهمت أنها على خطأ، فتساءلت: ماذا تعني عبارات النشوة والعاطفة والهيام التي قرأت عنها في الكتب!
تبدأ إيما في استرجاع ذكرياتها في سنين طفولتها عندما دخلت الدير واقبلت على العبادة والإجابة عن الأسئلة الدينية الصعبة لكن مع اقترابها من السادسة عشرة من عمرها فقد تغيرت نظرتها إلى الأشياء، فنفرت من المناظر الريفية الهادئة، واتجهت إلى نقيضها وصارت تبحث عن العاطفة أكثر من أي شىء وصارت تعجب بأبطال وبطلات الكتاب الكلاسيكيين ولاحظت الراهبات أنها أخذت تفلت من رعايتهن، فلم يأسفن على خروجها من الدير عندما جاء أبوها وأخرجها منه.

وتجد إيما لذة عند عودتها إلى مزرعة أبيها، في إصدار الأوامر للخدم، ولكنها حنت إلى الدير ثانية، وحتى وهي في أيام شهر العسل الأولى كانت تتمنى أن تكون تلك الأيام في أماكن أخرى مثل اسكتلندا أو سويسرا، ومع رجل من النبلاء لا مع شارل!! “إن حياتها باردة كالمخزن الرطب الذي أوتي نافذة شمالية! والملل؟! .. ذلك العنكبوت الصامت الذي كان يغزل نسيجه في الظلال، في كل ركن من أركان قلبها!”.

تسير الأمور بين الزوجين على النقيض، حيث كلما ازدادت الألفة بينهما ازداد شعورها بالانطواء الروحي وزادت الهوة بينهما. إذ ترى أن حديثه سطحي ولا يعرف المسرح أو الموسيقي ولا يعرف شيئاً ، ولا يطمع في شيء.

“لقد خيل إليها أن في الدنيا بقاعا تنبت السعادة ، كما لو كانت السعادة شجرة لا تنبت إلا في تربة معينة لا نمو لها في

غيرها ! ولطالما ساءلت نفسها : لماذا لم يقدر لها أن تتكيء علي حافة شرفة منزل خشبي فوق جبال سويسرا، أو أن تحبس سجونها في كوخ باسكتلندا، مع زوج يرتدي حلة من المخمل الآسرة وحذاءين طريين وقبعة مدببة وأكماماً منشآة؟! .. لكم تمنت لو تفضي لأحد بهذه الخواطر جميعا.. ولكن كيف السبيل إلي الإفصاح عن ذلك الضيق الذي يتعذر التعبير عنه والذي تتبدل صوره كالسحاب، ويعصف بنفسها كالرياح؟ .. وهكذا كانت تعوزها الألفاظ، كما أعوزتها الفرصة والجرأة !”

وبدأ ضجر العيش مع شارل يتملك إيما ففي الرواية نقرأ .. ” لما أقبلت مدام بوفاري الأم إلي (توست) لتقضي بضعة أيام في أثناء الصوم، راعها هذا التغير، فإن “إيما” التي كانت فيما مضي شديدة العناية بنفسها حريصة علي أناقتها، أصبحت تمكث أياما بطولها دون أن ترتدي ملابس زينتها، وهي تروح وتغدو في جوربين رماديين من القطن.. كما أصبحت تقتصر علي استخدام الشموع في إضاءة البيت، مرددة أن لابد من الاقتصاد لأنهم ليسوا من أهل الثراء !”

وأخيرا تقرر الزوجة الانتحار ولكنها تعلن قبل وفاتها حبها لشارل والذي يموت حزنا وكمدا على زوجته الراحلة، هذا مع علمه بخياناتها المتكررة.

” عاد إليها فجثا علي الأرض، وألقي رأسه علي حافة السرير، وأسلم نفسه للبكاء والنحيب .
قالت: لا تبك .. إنني سأريحك من عذابي . نعم لن تتعذب من أجلي بعد اليوم.
قال: لماذا فعلت ذلك لماذا؟ وما الذي دفعك إليه؟
قالت: لقد كنت مضطرة إليه

المزيد