قراءة في مجموعة «أتراني أحيا حقا؟!» لمحمود الديداموني
كتبهاد. حسين علي محمد ، في 28 مارس 2007 الساعة: 06:52 ص
قراءة في مجموعة «أتراني أحيا حقا؟!» لمحمود الديداموني
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
…………………………………
«أتراني أحيا حقا؟!» المجموعة القصصية الأولى لمحمود الديداموني تضع أيدينا على قاص مقتدر منذ المجموعة الأولى، يُقدِّم في تجاربه القصصية عالم القرية المصرية في مطلع قرن جديد. فهل تختلف قرية محمود الديداموني كثيراً عن قرية يوسف إدريس التي قدّم لنا معالمها فنيا منذ نصف قرن؟
مازالت أوجاع القرية المصرية كتلك الأوجاع، ولكن الجديد في تقنيات السرد التي يلجأ إليها الديداموني، ومنها تلك «الحلقة القصصية» التي يتضمنها عالمه السردي في مجموعته الأولى، فكأنك تقرأ قصة مثقف قروي في أوائل قرن جديد، وزّع فصولها ـ بعناية ـ على صفحات المجموعة، تحت عناوين قصص قصيرة، أو قصص قصيرة جدا.
وتقترب قصص محمود الديداموني من الشعرية، يقول في قصة «في مدار الزمن»:
«لم يعد يرى الفضاء الرحب الذي كان يعيش فيه طفولته متمتعاً بكل نسمة تُعانق المكان، خالقاً معنا جواً من البسمة طالما نتذكره. الحقول تُحيط بالدّار من كل اتجاه، ترع ثلاث تحزم القرية فتبدو كأنها شبه جزيرة، محظور علينا الذهاب إليها» (2).
ونقرأ في القصة نفسها:
«أقبل الصباح بشقائه، أخذني من يدي، دسّنا بين الأنفار بعد ما ألهب ظهري بخيزرانة رفيعة قفزت معها إلى عنان السماء. وهبطت بعدما جذبت عيناي من السماء السحب التي انهالت على خديَّ نهراً» (3).
وأبطال المجموعة من القرويين المسحوقين، منهوكي القوى الذين يحلمون بالحب فلا يجدونه، وقد يذهبون إلى مقهى «هوانم» لشرب الشاي، وقضاء بعض أوقات منتزعة من الزمن فلا يجدون مبتغاهم:
ـ الشاي ياهوانم.
ـ خلص.
ـ ازاي؟!
ـ السكر شح.
ـ حتى هنا؟! .. والله عيشة تجنن.
ـ بكرة تُفرج (4).
وتقدم المجموعة ـ في قصصها القصيرة جداً ـ صورة لعالم الريف وشخصياته البسيطة، وأحزانها التي تعصف بها، ومنها أقصوصة «براءة» التي تصور في شعرية متألقة إحساس البطل الفاجع بموت حمارته:
«اعتاد منها أن تحمله، تسير به في رفق، لا يكف عن الثرثرة معها، تنصت إليه. كانت تحمله يوماً .. أحست ببعض التعب، توقّفت، طلب منها السير، سارت به بضع خطوات، ومازال يثرثر. توقفت ثانية. أعاد طلبه .. لم تجبه. فقدت شهيتها للمشي. كرر طلبه. مازالت على حالتها.. ظن أنه أثقل عليها بثرثرته. أبدى أسفه. راحت تدور حول نفسها. توقفت عن الدوران. تمايلت به ببطء نحو الأرض .. وضعته .. راحت تتلوّى .. نظر إليها، أشفق عليها، نظرت إليه هي الأخرى تودعه، تشنّجت، لفظت أنفاسها الأخيرة. صرخ، اقترب والده .. مسح على رأسه، ارتمى في حضنه. التقت عيونهما، أحسّ والده بمعاناته، هوّن عليه والده قائلاً: هي ذي الدنيا! .. ربنا يعوض علينا .. بكرة نشتري حمارة غيرها»(5).
إن الشخصية البسيطة هنا تتعاطف مع الحيوان، وتتآلف معه ويصير فقده فاجعاً ومؤثراً، ومماثلاً لفقد صديق عزيز!
وتقدم قصة «بين أنياب الضباب» صورة سوداء لضياع شباب القرية المتعطل، لدرجة أن أحد الذئاب يُحاول اغتصاب إحدى بائعات اللبن في صباح رمضاني ملبد بالضباب!
ويصور مشهد محاولة الاغتصاب تصويراً أخّاذاً:
«ابتعدت عن العمران شيئاً فشيئاً … مرت لحظات وصوت يقترب، إنه صوت دراجة لعله يكون مؤنساً، ها قد وضح وجه الغلام .. إنها لا تعرفه.
حدّثت نفسها:
ماله ينظر إليَّ هكذا؟!
عيناه حائرتان، فيهما الشر.
أردفت:
ـ لا تقترب مني هكذا .. ابتعد عني بدرّاجتك.
ـ كيف؟
رمى دراجته، وأخذ ينفض عن شاربه الماء ثم يبرمه، ضرب على صدره يستعرض قوته، أمطرها بوابل من الكلمات العارية محاولاً مداعبتها بيديه، سرعان ما زجرته صارخة في وجهه .. لم يكف .. فكّرت .. لا بديل أغرقته باللبن .. صرخت بكل ما فيها، لا مجيب. أدركت صعوبة المواجهة .. لا مفر .. هي المقاومة حتى الموت» (6).
***
هذا قصاص جديد، لم ينفصل عن بيئته، فكتب قصصا تُصور واقعه، والقصة القصيرة «كأي عمل فني، تتحدد أهميتها بقدر رسوخها في واقع الحياة، واتصل أصولها بالبيئة التي كُتبت فيها»(7).
لكن ما يُعاب عليه أحياناً أن بعض قصصه تنضوي على أكثر من حدث، «وهذا الحشد ربما يؤدي إلى طمس المعالم الرئيسة للحدث الرئيس، وإلى عدم تنمية الشخصيات، وعدم إبراز أجوائها إبرازا حيا»(8). وكما يقول الشاعر إبراهيم ناجي في دراسته الجميلة بعنوان «رسالة القصة»: «إن مجرد السرد لا يُحدث حكاية ولا يُحدث قصة» (9)، فلا بد في القصة القصيرة أن يُعتنى بحدث واحد لإبراز مغزاه من خلال تفاعله بالشخصيات والبيئة زمانية ومكانية، وهذا ما فعله محمود الديداموني في الكثير من قصص مجموعته الأولى.
………………….
(1) نشرت في «المساء الأسبوعية»، العدد 16181ـ 18/8/2001م، ص8.
(2) محمود الديداموني: أتراني أحيا حقا؟!، الهيئة العامة لقصور الثقافة، الزقازيق 2001م، ص16.
(3) السابق، ص18.
(4) السابق، ص67.
(5) السابق، ص10.
(6) السابق، ص43.
(7) د. طلعت صبح السيد: القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية بين الرومانسية والواقعية، مطبوعات نادي الطائف الأدبي 1408هـ-1988م، ص19.
(8) محمود أمين العالم: ألوان من القصة المصرية، دار النديم، القاهرة د.ت. ص168 (بتصرف).
(9) د. إبراهيم ناجي: الأعمال النثرية الكاملة، تحقيق ودراسة: حسن توفيق، ط1، مطابع الراية، قطر ـ يناير 2001م، 1/475.
………………………………………….. ……..
*من كتاب «أصوات مصرية في الشعر والقصة القصيرة»، للدكتور حسين علي محمد، سلسلة «أصوات مُعاصرة»، المنصورة 2002م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























