قراءة فى رواية محمد جبريل " كوب شاى بالحليب"
تفتت العالم وبناء الشخصية
عصام الزهيرى
عندما تحتك بالكبار.. ستكتشف أنهم مجرد تماثيل من الملح..
ثم وهو يتأمل وقع الكلمات عليه:
- فاهمنــى؟!
رغم أنه يبدو هامشياً إلا أن هذا السؤال الذي يتعلق بصورة الفهم ونفاذ البصيرة ودقة الاستيعاب يظل معلقاًَ توعد جمالى أو نذير غائب فى أفق القراءة ويلازم كالمحصلة الفنية والخبرة المعرفية تجربة " سمير دسوقى" الشخصية المحورية داخل السرد الروائى فى رواية " كوب شاى بالحليب"0
التجربة هى سكن بنسيون تصفه إحدى الشخصيات بأنه جامعة دول عربية مصغرة، يتجاور فى غرفة أشخاص ينتمون لعدد من البلدان العربية مثل مصر والسودان وفلسطين وسوريا وغيرهم0 ويؤدى التقارب بين شخصيات البنسيون والرواية إلى اندماجهم فى حياة جماعية متفاعلة محورها الجنس والسياسة0
هذا التقارب الجسدى والنفسى والإنسانى يقع بتفاصيله وتفاعلاته بين حقلين أو قطبين يشحنان المناخ الروائى بالتوتر الحقل الأول هو المناخ العام خارج البنسيون الذى تصاغ ملامحه الأساسية بشعارات الوحدة والقومية العربية حيث تختار الرواية زمناً لها الفترة التاريخية التى شهدت محاولة الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا (1958 – 1961)
أما الحقل الثانى فيتمثل داخل البنسيون فى حياة جنسية جماعية متحررة عبر نماذج متعددة من النساء المومسات يتقلبن فى فراغ البنسيون بين غرف النزلاء الرجال0
وفيما تؤدى السجالات التى تدور بين النزلاء العرب حول الوحدة – احتمالاتها وتقلباتها – بجديتها وعصبيتها وسخريتها وتحيزاتها ذات الطبائع المختلفة إلى تجسيم الملامح والاختلافات والمفارقات فى شخصيات ممن يسكنون البنسيون، تقوم حركة الشخصيات داخل حقل الجنس بنفس الدور التجسيدى للتمايزات البشرية وحفر ملامحها المتعددة من " جزرة الشفيع " الذى يفاخر بقدرته على اكتشاف خريطة جسد المرأة وينظر للجنس كمتعة مطلقة، إلى " جلال ضيف الله" الذى لا يعنى الجنس فى نظرة أكثر من علاقة أولية، حيوانية أو ميكانيكية، إلى " حسام الخياطى " الذى لا يعبأ فى تصوره القاسى للجنس بسحق الطرف الآخر أو استنزافه معنوياً فى طريق الحصول على لذته0
هكذا ومن جماع التداخل المتوتر بين القطبين المشحونين بالدلالات الإنسانية المتفجرة – الجنس والسياسية – تتوالد أمام القارئ مشهدية روائية لا تقل – من الناحية الشكلية – توتراً، حيث تساهم التقنية السردية السائدة فى الرواية، تقنية ذات إيقاع سردى سريع ومتلاحق يعتمد على تتابع الوحدات السردية المشهدية القصيرة فى تجسيد كل انفعالات ولهاث اللحظة السريعة المتغيرة0
عناق الســؤال:
السؤال المقلق فى أفق القراءة يتعلق بكيفية " الحكم" ماثلة فى قدرة الشخصية المحورية " سمير دسوقى" على تتبع الدلالة الكبرى وراء الأحداث وماهية خريطة استيعابه للوعاء الذى يجمع كل الشخصيات والأحداث والنوازع والاتجاهات المختلفة داخل البنسيون وخارجه – خلال السرد يكتشف القارئ سمات محددة فى شخصية " سمير" الإسكندرانى الخجول المنطوى الذى حل وراء حلمه فى أن يكون صحفياً ضيقاً على البنسيون والقاهرة وكان حرياً بمثل هذه الشخصية المنطوية ألا تجازف منكفئة وراء حجاب حلم الصعود الصحفى، لكن ذلك لم يحدث .
كان مجيئة إلى القاهرة بمثابة الخروج من الحضن الأمن الأليف أو العش الذى كان يحيا فيه بمفرده . إنه يقول: " حتى الأماكن العامة لا أدخلها وحدى " .
وعلى عكس البنسيون الغارق فى ملذات المتعة النسائية لم يكن له أى " خبرة حقيقية بالعلاقة مع النساء ولم يلحظ فى نفسه تخيل علاقة جسدية مع امرأة " (فيما بعد تؤدى بسمير دسوقى تجاربه الجنسية إلى " فقد عذريته" بتعبيره المازح حتى أنه عرض الزواج على امرأة جاست به بخبرة عوالم اللذة المسحورة)0
وخلال الأيام الأولى من إطلاعه على حياة البنسيون يلحظ فى نفسه ضيقاً وإحساساً بالغربة يبلغ حد النقمة، ويقرر أن ينفصل نهائياً عن كل ما يدور فى البنسيون، ويؤسس قراره ليس على دوافع أو إدانات أخلاقية أو سياسية ولكن على مجرد تفضيلات إرادته الحرة وعناصر وعيه الشخصى وليس على غرار شخصيات أخرى من نزلاء البنسيون تؤسس عزلتها على أسس أخلاقية دينية (هشام مجاهد) أو للانسحاب داخل جلد ذكرى متسلطة (غسان جبر) يقرر سمير أن يعتصم بالصمت والعزلة والقراءة، غير أنه ينسى قراره منجرفاً فى التيار اليومى لحياة البنسيون المثيرة ومحتفياً بما " كشف له البنسيون من حياته الخاصة ما لم يكن لاحظه فى أيام إقامته الأولى"0
التماهى والخبــرة:
يكشف علماء النفس عن واحدة من أهم العمليات النفسية فى النمو والتى تعتمد عليها الشخصية البشرية فى تطورها الاجتماعى، وهى آلية التوحد مع شخصية أو شخصيات أخرى يسهل التقارب المعرفى أو التلاؤم الإنسانى حدوث مثل هذا الاندماج بينهما . إلى علاقة من هذا النوع يلمح السرد بنفس هدوء احتكاك الفرشاة على النسيج . سمات تقارب متعددة جمعت بين "سمير دسوقى و" عزام الزهراوى" الذى يحتمل – كما نعرف من الرواية – أن يكون شيوعياً سوريا0
يقول السارد: " فصل بينهما – لحظة اللقاء الأولى – خيط غير مرئى من المودة، كأنهما يصلان صداقة قديمة، يعرفان بعضهما من زمان"0
التماهى بين هاتين الشخصيتين يبلغ ذروته بدء من التفاصيل الشخصية الصغيرة مثل طريقة التعاطى مع الحوار السياسى والميل إلى الصمت وإعداد الكلمات فى الذهن قبل إلقائها وتفهم المحاور.. متعدياً هذه التفاصيل إلى الملمح الخاص والمشترك للروح فى رؤيتها الشاملة للعالم . عبارة واحدة يوردها السرد الروائى وصفاً لـ " عزام الزهراوى" ويمكن للقارئ أن يعدها تخطيطاً مبدئياً لشخصية " سمير دسوقى " المستقبلية :-
" لم يكن عزام يرفض الصورة التى عليها العالم هناك ما يضايق أو يغيظ لكن الطمأنينة تبدو فى نهاية الأفق " 0
ويبلغ تصورهما المشترك للعلاقة بالمرأة حد التطابق ، فكلاهما يراها علاقة إنسانية كاملة لا يشكل الجنس وحده حجر الزاوية أو مركز الثقل لها . ومن نفس الموقع المتعقل والمعتدل تنطلق نظرة كليهما تجاه الوحدة التى ترى فيها غاية لهدف وليست هدفاً فى حد ذاتها، وإن انخرط كلاهما رغم هذه النظرة فى تيار الحماس الجماهيرى الدافئ والمنحاز لها0
وفى ختام الرواية، حين يضطر الجميع لمغاورة البنسيون بعد هجوم حشرة " قمل العانة " تحدث خادمة البنسيون – " عنابر" - " سمير " عن حب " غرام " له ومشاركته عادة احتساء الشاى بالحليب ، وعندما يسألها عن تبريرها لهذا الحب تصمت " عنابر " وتكتفى بالغمغمة وتمسح دمعة تطل من عينها0
القراءة فعل وجودى:
تتعدى حالة القراءة عند " سمير دسوقى " فى تجلياتها التى تبرز وتختفى كخيط ذهنى عبر نسيج الرواية – هذا الفعل المعروف الذى يرتبط عادة بالممارسة المهنية الصحفية، لتصبح فعلاً وجودياً كامل الأبعاد . ولا يقدم السرد هذه الفكرة المتماسكة عن القراءة إلا عبر إشارات مثبوثة قد تخطئها العين غير الفاحصة0
حين يسأل " عزام الزهراوى" عن الخطوط التى يخطها أسفل سطور كتاب يقول له سمير: أنا صحفى00 ما أقراه أكتب عنه.."0
والمستويات الرمزية التى يتخذها فعل القراءة المشار إليه هنا بشكل عابر يتضح حين تنسحب الدلالة من قراءة الكتب إلى قراءة أكثر عمقاً وغنى للواقع كله بشخوصه وأحداثه، ولا تتسع الدلالة إلا عبر إشارات كثيرة فى مواضع أخرى0
فالقراءة فعل استنفار أو استثارة نقية يقدمها الواقع لقارئه كما يبدو حين تعرض امرأة من المترددات على البنسيون خبرتها على " سمير دسوقى" ليكتبها ويقابل عرضها بالصمت حتى تدرك المرأة أنه لا ينصت لها . وفى موقف ثالث يطالعنا مفهوم القراءة النقية التى لا يمكن أن يفترض لها هدف غير ذاتها، فلا تصلح لتكون أحبولة جنس أو غريزة أما اللحظة التى تتسنم فيها القراءة ذروتها الوجودية المطلقة فتحل فى ثنايا تصور " سمير" للعلاقة الكاملة بين الذكر والأنثى بوصفها فعل قراءة مشترك: " يصعب إهمال العلاقة الحسية، لكنها لا تمثل علاقة فى ذاتها . هى جزء من كل . يقرأ وتنصت . تقرأ وينصت . يتناقشان، يتفقان، يختلفان، يشتد الميل.. "
موازاة الواقــع:
فى موازاتها الفنية للواقع وبحثها عن أرضية اجتماعية وتاريخية للرواية تخلصت رواية " محمد جبريل" من شراك الكتابة الموجهة، لم تتخذ منحى سياسياً مباشرا وقدمت – بدلاً من ذلك - مقترحاً فنياً أنشأ من مزاج المخيلة وأبنية الواقع التاريخية يضع وسواس المرض والهلع من الانتشار الكابوس لقمل العانة خاتمة مفاجئة لحياة البنسيون المشتركة ويتفرق على الأثر نزلاؤه وتتشتت " جامعة الدول العربية المصغرة" .ربما كما عجل وسواس التسلط والهلع من الابتلاع وأمراض الزعامة بختام سريع لتجربة الوحدة العربية وشتت شمل الملتفين حول لواءها0 رحل سمير دسوقى "عن البنسيون ولسان حاله عبارة هيروغليفية من بردية مصرية تقول: " لا أحد يرجع إلى نهار غادره " . إنه الإحساس بثقل الخبرة وضياع وهج الاندفاع أو بتعبير السرد فى الرواية:
" ما كان يستغربه لم يعد كذلك0













