في مؤتمر الفيوم: الهوية والإبداع..في أدب الطفل

لعل السمة الأولي في هذا المؤتمر أن مكان انعقاده قد امتلأ بالأطفال. مما دفع بعض المشاركين إلي تقديم رأي بأن تتحول جلسات المؤتمر إلي مائدة مستديرة. يطرح فيها الأطفال آراءهم وتصوراتهم. حرص علي الحضور أيضاً عدد كبير من أبناء الفيوم. وطلاب الجامعة. واللافت أن د. جلال مصطفي سعيد محافظ الفيوم حضر جلسة المساء بمفرده. دون موكب يحيط كالعادة بتنقلات المحافظين. كما حرص أحمد زحام رئيس الإقليم ومنتصر ثابت رئيس ثقافة الفيوم علي حضور جميع الجلسات.
في بداية الجلسة الأولي أشار أحمد زحام إلي أهمية طرح مؤتمر عن سؤال الهوية والإبداع في أدب الطفل. يشارك فيه عدد من المهتمين بالكتابة للطفل من أجيال مختلفة عبر عدد من المحاور البحثية التي تتبلور في تجربة الكتابة للطفل. وسؤال الهوية. وسؤال الإبداع. وإشكالية الكتابة للطفل وتجارب المبدعين فيها. ومسرح الطفل بين حرية الموهبة وضرورة الضوابط. وأدب الطفل والوسائط الحديثة.
تحدث رئيس المؤتمر يعقوب الشاروني عن تجربته الإبداعية. وكيف أن معلمه في المدرسة شجعه علي الكتابة. وهو ما حفزه علي الاستمرار. وأكد أن أهم شروط الكتابة للطفل هو توافر التسلية التي تشد الطفل إلي ما يقرأ. لكن التسلية لا تعني أن يقدم كاتب أدب الأطفال أشياء تافهة. وقال الشاروني ان كتاب الأطفال لديهم نبع لا ينضب. وهو التراث. وقد أفاد كتاب الغرب من التراث الشعبي. لكنهم طوروه. وحذفوا منه ما لا يليق أن نخاطب به أبناءنا.
شخصية سلبية
وحول سؤال الهوية تناولت د. زينب العسال صورة العربي في أدب الطفل الإسرائيلي والتي تتركز للأسف في تصوير العربي علي أنه شخصية منافقة ولا أمان لها. وأنه قاتل ومخرب وقذر وسريع الغضب والخوف وصفات سلبية أخري كثيرة. بينما يتمتع اليهودي بالذكاء. وبالاضافة إلي المسار الإنساني. بل ان الأدب اليهودي الموجه للطفل العبري غير من صورة اليهودي التقليدي لدي الأدبيات العربية والعالمية. فهو يبدو إنسانا نشطا مثقفا محبا لأرض إسرائيل ينكر الذات وقت الخطر ويضحي بنفسه في سبيل الحفاظ علي أمنها. وتساءلت د. زينب: أين نحن من ذلك؟ كيف أعددنا أطفالنا؟ ماذا قدمنا لهم؟ ماذا يعرف أبناؤنا عن الوطن السليب؟ هل كتبنا عن بطولات جنودنا وبسالتهم في الدفاع عن أرض الوطن؟
حول المعني نفسه. قال الشاعر أحمد قرني ان صورة العربي في أدب الطفل المكتوب بالعربية هي ذلك الشخص الذي لا يستطيع النظر بموضوعية إلي المشكلة التي يطرحها لذا يسقط حقه. وفي جميع هذه الكتب يظهر دائماً التفوق اليهودي في كل المجالات. والعربي المقبول لديهم هو العربي الذي يقبل الأمر الواقع. ويري النواحي الايجابية في الصهيونية ويستطيع التفاعل معها. وبمعني آخر فان كل عربي يخون شعبه. ويبيع ضميره هو العربي الجيد وهناك عربي جيد آخر هو العربي الذي يتثقف علي أيدي اليهود.
أما الشاعر أحمد فضل شبلول فقد تحدث عن العلوم النظرية التي يدرسها الطفل بواسطة القنوات والوسائط المختلفة وعن طريق ذلك يتم تثقيف الطفل علميا أو تكنولوجيا بشكل صحيح. ويمكن أن يتم التثقيف العلمي والتكنولوجي للطفل بشكل جيد إذا روعيت معطيات الكتابة العلمية. أي الأرضية العلمية التي يمكن أن يعتمدها الكاتب في إيصال العلم للطفل. وإذا كنا نريد لأطفالنا وهم يقفون علي بوابة القرن الحادي والعشرين. أن يقرإوا ويتعرفوا إلي مشكلات الكون. فإن ذلك يجب أن يتم بطريقة عملية. يتبع فيها طرائق التفكير العلمي المختلفة. وأعتقد أن أطفالنا لديهم الاستعداد الكبير لذلك.
أضاف الكاتب المسرحي منتصر ثابت أن طفل اليوم في ظل الكوكبية والعولمة والغزو الثقافي والذوبان الحضاري والأدب الالكتروني وحضارة الصورة في حاجة ملحة لإعادة السؤال حول الهوية والإبداع. نحن نعرف أننا أمام طفل مختلف. لا يقنع بالقصص الساذجة. أو الحواديت الموحشة. لا يقبل الخطب المنمقة أو الوعظ الأخلاقي. يمتلك طفل اليوم ما يجعل العالم كله قرية صغيرة أمام عينيه لا يحتاج فيها إلي بساط سحري. أو طبق طائر. أو مصباح علاء الدين. لكي يشاهدها شرقاً وغرباً وهو ممدد فوق أريكته.
القراءة
وفي الاتجاه نفسه أشار محمد سيد عبدالتواب إلي أن صياغة المستقبل مرهونة بثقافة الطفل وكيفية صياغتها. وبخاصة في مجتمع عربي يتسم بالأمية في عصر الانفجار المعلوماتي. وطبقاً لآخر الإحصاءات فإن معدل القراءة عند الإنسان العربي دقائق في السنة. مقابل 36 ساعة عند نظيره الغربي. أما الناشرون العرب جميعاً فانهم يصدرون كتاباً واحداً كل سنة لكل ربع مليون شخص في الوطن العربي. مقابل كتاب يصدر لكل خمسة آلاف شخص في الغرب. من هنا تأتي أهمية الأدب التفاعلي القائم علي تلك الوسائط الحديثة التي تمكن أطفالنا من صنع المستقبل.
تتطرق القاص أحمد طوسون إلي النصوص التي تقدم للطفل يحكمها ذلك الفهم الخاطئ القائم علي التلقين بشكليه المباشر وغير المباشر. ويعد بالكتابة الأدبية للطفل عن فكرة الفن إلي شيء لا يمكن وصفه بدقة متغافلة أن المكونات الفنية لأدب الأطفال هي نفسها المستخدمة في أدب الراشدين من حيث معايير البناء والشكل. ويبرز أوجه الاختلاف في اللغة التي من المفترض أن تتناسب والسن التي يخاطبها الكاتب. ولاحظ طوسون أن الكتابات التي تقدم للطفل في بلادنا. وتقع تحت وطأة التابو التربوي تجعل من كتاب الطفل أهل الحكمة الذين لا يخطئون وهم في هذا يتشابهون مع الآباء والأمهات في البيوت ومع المعلمين والمعلمات في المدارس.
وأشارت د. عطيات أبوالعينين إلي حرص كتاب الطفل علي أن يقدموا شخصيات عظيمة للقارئ قادرة علي اجتياز كل المواقف وحل المشكلات التي تواجهه وحينما يكبر الطفل يكتشف أن التاريخ يدين هذا البطل فيشعر بالحيرة والاضطراب ولا يملك أن يحكم. لذلك فإنه قد آن الأوان كي نربي أولادنا علي المعايير الصحيحة الموضوعية. وأن كل شخصية بشرية عرضة للصواب والخطأ.
صيغة مطلوبة
أما د. محمد حسن عبد الله فقد تحدث عن مسرح الطفل الذي يظل صيغة نادرة مطلوبة من بين صيغ وأساليب أدب الطفل ليس لأن الشكل المسرحي بالضرورة يختلف عن شكل الحكاية شعرا ونثرا وحسب وإنما لأن المسرحية من زاوية التشكيل والتوصيل أقرب إلي الأهداف التربوية. إذ تتوحد فيها الوسيلة والغاية بما لا يتاح لفن الحكاية مهما تكن درجات التفنن في صياغتها. وأكد د. عبدالله أن الأدب الذي يكتب للطفل ومن مسرح الطفل هو أدب قبل كل شيء. ينبغي أن تتوافر فيه وله كل أسباب التأثير الانفعالي وإثارة الدهشة. المهم أن تكون القراءة النقدية لمسرحية الأطفال متحررة من زعم قديم. يعتقد خطأ. أو يروج للقول بأن ما يكتب للطفل لا يستدعي بالضرورة الأصول الفنية التي يجب أن تكون حاضرة فيما يكتب الكبار..وطالب الأديب خليل الجيزاوي بكتابة إبداعية راقية تكون وعاء لنشر الثقافة الرفيعة عند الأطفال وتدفعهم إلي تأكيد الذات القلقة والمتلهفة إلي المعرفة وجمع المعلومات باستقلالية محايدة ومهارات شتي عن طريق إشباع حاجاتهم للمعرفة وتنمية هواياتهم وتوجيهها التوجيه السليم بالاضافة إلي تحميل هذه الكتابات الإبداعية مجموعة من القيم والأفكار الإنسانية..تخلل الجلسات فاصل فني قدمت فيه مجموعة من الأغنيات للفنان عهدي شاكر بكلمات لشعراء من الفيوم..وعقب الجلسات أقيمت أمسية شعرية حضرها أكثر من 20 شاعرا وقدمها الشاعر محمد حسني وكانت قصيدة طاهر البرنبالي التي خاطب فيها الشاعر الراحل محمد عبدالمعطي مؤثرة للغاية ونالت استحسان الحضور.


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر