أم كلثوم ـ بقلم الروائي: محمد جبريل

الظاهرة التي يتفرد بها صوت أم كلثوم أنه بلا شبيه. تسمعه فتعرف أن أم كلثوم تغني. يصعب ان يقترب من خصائصه صوت آخر. تسمع مغنية فتري أن صوتها يقترب - أحياناً - من صوت فايزة أحمد. وأحياناً أخري من صوت وردة. ومغنية تذكرنا بشهر زاد في بعض أغنياتها. وهي وردة في أغنيات أخري. عفاف راضي تذكرنا بفيروز. اقتراب في الذبذبات الصوتية. والمساحة. وطريقة الأداء. مع الفارق النسبي لهذا الصوت أو ذاك. أما أم كلثوم فإن قماشة صوتها من نسيج متفرد. بلا شبيه. لا أتحدث عن "التفوق". فتفوق صوت أم كلثوم حقيقة يصعب مناقشتها. أنا أتحدث عن "التفرد". صوت أم كلثوم - في التحليل العلمي للدكتورة سمحة الخولي - من الأصوات القادرة من ناحية الاتساع والنوعية وعدد الذبذبات والأصوات التوافقية في كل نغمة. وينفرد صوتها باللون المميز. وبنوع من الدرامية فيه. فالنغمة تغنيها أم كلثوم لها لون يختلف عن النغمة نفسها عندما يؤديها آخرون. ثمة النهر والخضرة والنخيل والسواقي وجني القطن وليالي الحصاد.
ينتسب صوت أم كلثوم إلي الغناء المصري. العربي. انتساباً أصيلاً وواضحاً. بلا شبهة استعارة أو إفادة من أصوات أخري. أو موسيقا أجنبية. استوعب صوت أم كلثوم طفولتها. نشأتها الريفية. آيات القرآن والمدائح النبوية والابتهالات والانشاد. وحين بدأت تعلم الغناء - بأسلوب علمي - كان ذلك علي يدي الشيخ أبوالعلا محمد. وكان أول ما تلقته منه أداء القصائد العربية. استطاعت أستاذية الشيخ أبوالعلا - في تطويعه البارع لصوت أم كلثوم - إبعاد العجمة العثمانية والفارسية والغجرية التي قد دانت لها الغلبة علي أصوات المطربين عشرات الأعوام. بتأثير الغزوات الوافدة. لذلك جاء منطوق الكلمة عند أم كلثوم سليماً ومقتدراً. وإن ظل علي فطرته.
مفردات صوت أم كلثوم هي المساحة الصوتية الواسعة. النبرات الصافية. استقامة موسيقا اللغة العربية. الحصيلة المعرفية. النطق الصحيح لمخارج الألفاظ. الدقة في تخريج النغمات. الحفاظ علي الطابع الشرقي الأصيل.
العادة أن المغني يبدأ بتقليد المعروفين من مطربي الفترة قبل ان يقدم أغنيته الأولي. أم كلثوم لم تقلد أحداً. أنشدت المدائح والابتهالات الدينية وألحان الفطرة. قبل أن تتعلم أصول الغناء علي يدي الشيخ أبوالعلا. فلما بدأت الغناء في المدينة لم يكن صوتها قد هجر أصالته أو حاول التقليد. بالاضافة إلي أنها لم تغادر ظروف نشأتها. حتي بعد أن تحقق لها التفرد في ساحة الغناء العربي. بمعني أنها كانت تحرص علي اختيار الكلمات واللحن. عدا بعض الأغنيات الخفيفة التي اضطرت لأدائها في بواكير البداية.
حتي عندما استعان ملحنو أم كلثوم "كانت موافقتها. بالطبع. شرطاً أولاً!" ببعض الآلات الغربية. الأكورديون - مثلاً - أو البيانو. أو الأرغن - في النسيج اللحني لأغنياتها. فإن ذلك لم يأت علي حساب "شرقية" اللحن بعامة. لا إفراط في استخدام تلك الآلات. إنما تحدد استخدامها في مقاطع معينة في اللحن. كنوع من إثراء التعبير الموسيقي.
السهل الممتنع. لا أجد ما هو أكثر انطباقاً علي هذا التعبير. أو أن هذا التعبير أكثر انطباقاً عليه من صوت أم كلثوم. يعانق العفوية في صداقة حميمة وطول معاشرة. لكنه متمكن ومقتدر بلا حد. لا يخطيء حتي في قصائد الفصحي.
أحمد رامي ينصح محبي الشعر - صقلاً لمواهبهم - أن يقرءوا الجيد من الشعر العربي والعالمي. ويكثروا من الاستماع إلي أم كلثوم. أم كلثوم تجلو الألفاظ. تجعلها واضحة مشحونة بالعاطفة. وتخلق لدي من يسمعها إحساساً عميقاً بالكلمة والنغم وعذوبة الأداء.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر